الكاتبة: مها زايد
رفض زهر الدين أن يُكمل حديثه مع جمر بهذه الطريقة، خاصة بعد تلميحاته الدنيئة عن ابنته كاميليا، فهو لم يتخيل أن تكون ابنته هي أول من بادر بإنشاء هذه العلاقة، فذهب ليفهم من ابنته كل شيء ليطمئن قلبه ويهدئ إعصار تفكيره.
بعد أن قام زهر الدين بالمغادرة، تاركًا جمر في المنتصف، أحس جمر بالإهانة، فهو ذهب دون أن يستأذن أو يتفوه بحرفٍ واحد، فقرر أن تكون هذه القشة التي ستقسم ظهر البعير.
وصل زهر الدين القصر غاضبًا هائجًا كمُهرٍ قد أنهى سباقه للتو، باحثًا عن كاميليا في كل أرجاء القصر، حتى وجدها تجلس في حديقة القصر، فمسك ذراعها بقوة كادت تفصله عن جسدها. تألمت كاميليا بشدة، فهي لأول مرة تشعر بقسوته عليها، فتفاجأت من فعله، سائلة: “ما الأمر؟”
صفعها زهر الدين كفًا كاد أن يُسقط أسنانها، مستنكرًا سؤالها، فهي ما زالت تسأل ماذا فعلت وتمثل دور البريئة بعد كل هذا!
كانت إجابته قاسية عندما قال:
“يا ليتكِ مُتِ قبل هذا، ولم تكوني بصمة العار الوحيدة في تاريخي. فأنا الذي عاش عمره يحافظ على سيرته ويحفظ ماء وجهه، تأتي حقيرة مثلك وتكون السبب في إهانتي من حقير مثل جمر، مهددًا بتدميري وتدمير مملكتي إن لم تبتعدي عن ابنه؟”
شهقت كاميليا عندما سمعت هذا الكلام، خاصة بعد أن علمت أن أبيها علم عن علاقتها بإغار، فحاولت تهدئته قائلة لتطمئنه، أن إغار هو من ألقى بشباكه أولًا، وأنها كانت تسد طريق محاولاته كل مرة، ولكن تأثيره كان أقوى من عزيمتها، فهي في الأخير أنثى تضعف أمام الاهتمام والكلام المعسول والأفعال اللطيفة الحنونة، وهو لم يبخل عليها بأيٍ منهم.
أغمضت عيونها وهي تحاول استرجاع ذكرياتها مع إغار، وبدأت تروي التفاصيل لأبيها.
كانت البداية عندما كانت في نزهة منذ خمس سنوات في جزيرة بالقرب من القصر، وكانت بمفردها، حيث كانت تريد العزلة والهدوء لعلها تهرب من وحدتها وشعورها بالذنب تجاه فلوريا ونرجس. فهي طيبة في الأصل، ولكن شُكران كانت تدس سمها في عقلها منذ الصغر، فهي كانت تحترق من الداخل في كل مرة تؤذي فيها فلوريا، وكان الصراع بداخلها يشتد ما بين لين قلبها وحبها لفلوريا، وبين رضا والدتها التي إن لم تفعل ما يُطلب منها، سيكون غضب شُكران عليها هو النتيجة.
وبينما كانت تجلس كاميليا ممسكة بكتابها تقرأ فيه، وجدت رسالة في رمح قد سقط بجانبها. فبعد أن هدأت من روعها، حيث ظنت أن أحدًا كان يحاول قتلها، فتحت الرسالة لتجد فيها اعترافًا بالحب. مزقت الخطاب وقامت برميه، وأكملت القراءة، فهي لم تكترث للمكتوب، فهي كانت تظن نفسها صلبة لن تتأثر بمثل هذه الأفعال، ولن تشعر بالحب أبدًا.
ولكن الأمر بدأ يتكرر كثيرًا، حتى أصبحت تنتظر هذه الخطابات على أحر من الجمر، وأصبحت تذهب للجزيرة كل يوم تقريبًا. وبعد مدة من انقطاع هذه الخطابات وشعورها بالحزن وفقدان الأمل، وحينما كانت مغمضة العين تفكر في مُرسل هذه الخطابات، وجدت يدًا تربت على كتفها، فقامت مفزوعة، فهي بمفردها بالجزيرة!
وجدت أمامها شابًا في مقتبل العمر، وسيمًا، طويلًا، ذو بشرة خمرية وعيون تشبه لون الشمس، يمتلك شاربًا ولحية مهندمين، وشعرًا مموجًا بعض الشيء، وصوتًا به نبرة حادة قليلاً تزيده جاذبية.
وقعت في سحر عيونه، وأسرها نبرة صوته المميزة، فهي رغم خشونتها، إلا أنه حين يتحدث معها، يصبح صوته حنونًا ودافئًا كحضن الأم. أحبته كاميليا كثيرًا، رغم علمها بأن نهاية هذا الحب حتمًا ستبوء بالفشل لا محالة، ورغم خوفها وشكها أن يكون إغار يمثل عليها الحب، لتكون الوسيلة التي سيحرق بها إغار ووالده المملكة بأكملها.
كان حبه المسيطر عليها، والتي كانت تأبى التفكير في أي شيء سواه، فهي عندما كانت تخطر هذه الأفكار على مخيلتها، تنفضها سريعًا حتى لا تفيق من سكرة حبها.
أفاقت كاميليا من شرودها على كفٍ من أبيها سقط على وجهها كالزلزال عندما يضرب الأرض، فوقعت أرضًا لقوته، قائلة وهي تبكي:
“هل الحب أصبح جريمة في نظرك يا أبي؟ فأنت الذي فرطت بي وبأمي وأختي من أجل جارية، تلومني الآن لأنني أحببت! كيف وأنت تذوقت نار الحب وتعلم مدى تأثيره على العقل؟ فأنت ضحيت بكل شيء عندما عشقت، وأنا ألغيت عقلي عندما أحببت. أعلم أنني أخطأت، ولكن القلب ليس لنا عليه سلطان.”
شعر زهر الدين بالحيرة، فهو يعلم جيدًا أن الهوى ليس له سلطان، ولكنه ما زال يرفض فكرة أن يضع يده في يد جمر ليتمم هذه الزيجة، فماذا عساه أن يفعل؟
#يتبع
![]()
