الكاتبة : مها زايد
لم يجد زهر الدين بديلاً لذهابه إلى جمر، فأخذ حارسه بهادر وابنته الأميرة فلوريا، وذهبوا إلى مملكة فلاما. وكانت المقابلة كما توقعها زهر الدين تمامًا.
فكان شهوان، الحارس الشخصي للملك جمر، هو من استقبلهم بدلًا من جمر. وكان الاستقبال مهينًا إلى حدٍّ ما، فعندما وصلوا وجدوا بوابات القصر مغلقة، وأطال الحراس حتى فتحوا وسمحوا لهم بالدخول، على الرغم من معرفة جمر وشهوان بهذه الزيارة منذ مدة.
كان استقبال شهوان صادمًا بالنسبة لزهر الدين، فهو لم يتخيل كمّ القسوة التي أصبحت بداخله. فهو كان صديق زهر الدين المقرّب قبل أن يأتي جمر إلى القصر، ولكن بعدما عرفهما على بعضهما البعض، قاموا بخيانته وتنفيذ مخططاتهم سويًّا، حتى أصبح الحارس الشخصي لجمر.
كان شهوان قويًّا، فكان زهر الدين يتمناه حارسًا له بدلًا من جمر؛ فلو كان هو حارس مملكة فلوريا، لاختلف الوضع كثيرًا. ولكن بهادر أيضًا قوي، بل أقوى بعقله أكثر من جسده، وهذا هو المطلوب في هذا الوضع.
دخلوا القصر، وكانت نظرات الانبهار تملأ عين فلوريا، فهي لم تخرج من القصر إلا للتدريب أو النزهة في الجبل، فلم تختلط بأشخاص أو تذهب لأماكن غير مألوفة من قبل.
كان القصر مبهرًا في كل شيء، فكان كبيرًا جدًا وفخمًا، مليئًا بالأشجار المثمرة، والتماثيل المتنوعة، والمصابيح في كل مكان، والمواقد تملأ القصر، ونقوشات النار تملأ الجدران، فمملكة فلاما شعارها: “النار لا تُطفأ إلا بالنار”.
كان شعب المملكة غريبًا ومثيرًا للشفقة في نفس الوقت، فأنت من الوهلة الأولى ترى الغضب يعتري ملامحهم. فهم يشبهون النار في قسوتها، وحتى في لونها، فبشرتهم كانت سمراء تميل إلى لون النار في عزّ اشتعالها.
وكانت عيونهم ونظراتهم ثاقبة كجمرة تلتهم كل ما تراه، أما قلوبهم فهي كالحطب، تحترق من أجل إشعال النار أكثر. فجمر نجح في جعل الشعب يحبه بجنون، ويثق به، ويكره مملكة فلوريا دون أن يعلموا عنها شيئًا، فقط لأن جمر أقنعهم أنها سيئة وتحقد على مملكتهم.
لم يكن زهر الدين قادرًا على الدفاع عن نفسه وعن مملكته أمامهم، فالنار لا تُخمد إلا بالوقت، فتركهم حتى تهدأ نارهم ويروه بعينهم، وليس بعين جمر.
وحينما رآهم جمر، قام بضيافتهم ومعاملتهم بطريقة مهذبة، على النقيض من شخصيته، فكان لطيفًا وطيبًا على عكس الماضي. ولكن جمر كان يغشهم حتى ينال ثقتهم، أما زهر الدين فكان الخوف هو المسيطر عليه، ولكنه حاول أن يبدو قويًّا أمامهم حتى لا يعتبروه “العظمة اللينة”.
وافق جمر على خطبة كاميليا وإغار، ولم يكن يعلم زهر الدين ماذا يجب أن يكون شعوره حينها، هل فرحة أم خوف؟
ولكنه شعر بالشفقة على كاميليا من اختيار قلبها الذي سوف يؤذيها، ولكن ليس بيده حيلة، فالحب أكبر فخ في الحياة، فهو قادر على جعلك كالأعمى الذي يسير ويتخبط في الحياة، رافضًا تقبّل الواقع.
في الناحية الأخرى، بينما كانت تسير فلوريا في القصر، رأت ساحة التدريبات التي طالما خطفت أبصارها. ولكن هذه المرة كانت مختلفة، فكان الشاب الذي يعتلي فرسه ممسكًا بلجامه كفارس مغوار، هاربًا من رواية ما من الروايات التي تقرأها فلوريا. هو من خطف بصرها وقلبها أيضًا.
فهو شاب ليس على غرار المملكة، فهو أبيض ولكنه ليس ناصعًا، بل أفتح من الخمري بقليل. له لون بشرة مميز لم تره من قبل، وعيناه باللون الأخضر الغامق، وشعره بني كخيوط الشمس. فرغم وسامته، لم يكن هذا هو المميز فقط، ولم يكن جسده الفارع هو الملفت أيضًا بقدر حضوره. فهو له سحر خاص به، سواء في طلّته أو نظراته الثاقبة التي تُعلِمك أنه بطل دون أن يتفوّه بكلمة.
أفاقت من شرودها عندما وجدته واقفًا أمامها، ويسألها من تكون. ولكن كانت إجابتها صادمة، عندما أجابت بدون تردد وبدون وعي:
“حبيبتك.”
يتبع
![]()
