...
Img 20251030 wa0012

 

الكاتبة: وئام التركي

 

الجزء الثاني: دموع تحت المطر

 

كانت السماء تبكي فوق المدينة، والمطر ينهمر كأنه يشارك القلوب التي أرهقها الغدر.

جلست ياسمين قرب النافذة، تحدّق في الظلام الذي غلّف الشوارع، وقلبها مبلّلٌ بالحزن مثل الأرصفة.

كانت تفكر في كل شيء… في المقهى، في الصمت، في النظرة الأخيرة من آدم، وفي الجرح الذي لا يندمل.

 

رنّ الهاتف، الاسم على الشاشة جعلها تتردّد — رامي.

تنهّدت ثم أجابت بصوتٍ خافت:

 

“مرحبًا، رامي…”

 

“مساء الخير يا ياسمين، سامحيني على الإزعاج، فقط… أردت أن أطمئنّ عليك.”

 

 

 

“أنا بخير، لا تقلق.”

 

 

 

“كلا، لستِ بخير، أعرفكِ منذ سنين، وصوتكِ يفضحك.”

 

 

 

صمتت للحظة، ثم قالت:

 

“أحيانًا… ينهزم الإنسان دون معركة. وهذا ما حدث لي.”

 

 

 

“ياسمين، لا تتركي نفسكِ للوجع. آدم أخطأ، نعم، لكنه لا يستحق أن يقتلكِ الحزن بسببه.”

 

 

 

“رامي… لا تتحدث عن آدم، كل ما بيني وبينه انتهى.”

 

 

 

“أنا لا أتحدث عنه، بل عنكِ. عن المرأة التي تستحق أن تُحب كما هي، بلا خيانة، بلا خوف.”

 

 

 

رفعت رأسها بدهشة، قلبها ارتبك، وصمته الطويل فضح ما تخفيه ملامحها.

 

“رامي… لا تقل هذا.”

 

 

 

ابتسم من وراء الهاتف وقال بصوتٍ دافئٍ صادق:

 

“أقوله لأنني صادق. كنتُ هناك حين سقطتِ في المقهى، ورأيتُ فيكِ شيئًا لا يُنسى. لا أطلب منكِ جوابًا الآن، فقط… لا تغلقي بابكِ أمام من يريد أن يُنصت لقلبك، لا أن يجرحه.”

 

 

 

أغلقت الهاتف ببطء، ووضعت يدها على قلبها المضطرب، ثم نظرت إلى المطر وقالت هامسة:

 

“يا رامي… لماذا يأتي الضوء بعد أن ينطفئ كل شيء؟”

 

 

 

في تلك اللحظة، كان آدم يقف عند النافذة في مكتبه، يراقب المطر ذاته، لكن في عينيه غبار الندم.

دخلت منى عليه بخطواتٍ هادئة، وقالت بنبرةٍ باردة:

 

“سمعت أنك لم تعد تذهب إلى الشركة… أهذا حبٌّ ضائع أم فشلٌ جديد؟”

 

 

 

ردّ دون أن يلتفت:

 

“منى، بعض الخسارات تُعيد ترتيب القلب، وتكشف الوجوه الحقيقية.”

 

 

 

ضحكت ساخرة وقالت:

 

“وهل اكتشفتها أخيرًا؟ لقد تأخرتَ كثيرًا يا آدم، رامي صار أقرب إليها منك.”

 

 

 

التفت نحوها بسرعة، وعيناه تقدحان غضبًا:

 

“ماذا قلتِ؟”

 

 

 

“قلتُ إنّها ليست وحدها كما تظن. رامي أصبح ظلّها الجديد، وربما دفؤها القادم.”

 

 

 

تراجع آدم إلى الوراء، صوته اختنق بين الغيرة والندم:

 

“رامي؟ هو أيضًا؟”

 

 

 

غادرت منى المكتب بابتسامة انتصار، بينما جلس هو على الكرسي، يهمس لنفسه:

 

“غدر الزمان؟ أم غدرتُ أنا بنفسي حين صمتُّ؟”

 

 

 

وفي الخارج، كانت ياسمين تمشي تحت المطر، خطواتها بطيئة لكن عينيها أكثر صفاء.

ربما بدأت تجد في حديث رامي ما يشبه الطمأنينة التي فقدتها، وربما بدأ قلبها يتعلم كيف يُحبّ من جديد… ولكن بحذرٍ هذه المرة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *