الكاتبة وئام التركي
في زاوية من الذاكرة، كانت تجلس امرأة أنهكتها التفاصيل الصغيرة، تبتسم رغم التعب، وتخفي خلف نظراتها الحزينة جبالًا من الصبر. لم تكن تطلب الكثير، سوى أن يُرى ما في داخلها من ضوء لم يُطفأ بعد، رغم كل ما مرّ بها من خيبات ووجع. كانت تعرف أن الحياة لا تُصفّق لأحد، لكنها أيضًا لم تتعلّم الانحناء إلا لله.
تلك المرأة لم تولد قوية، بل صقلتها التجارب كما تصقل النار المعادن. حين انكسر قلبها أول مرة، لم تبكِ طويلاً؛ مسحت دمعتها وخاطت جرحها بإبرة الأمل، وقالت في نفسها: “ما دام فيّ نبض، فالحياة لم تنتهِ بعد. تعلمت أن الضعف لحظة، وأن الوقوف بعد السقوط بطولة لا يراها إلا من عاشها.
في كل صباح، كانت تزرع في روحها وردة جديدة، تتعطر بشيء من الصبر، وتخرج للعالم بابتسامة تعاند الغيوم. كانت تصغي إلى نداءها الداخلي الذي يهمس لها: “قوتك ليست في قسوتك، بل في قدرتك على البقاء رقيقة رغم القسوة.
عرفت أن القوة لا تعني أن لا تتألم، بل أن تحوّل الألم إلى وعي، وأن تجعل من الهزيمة درسًا ومن الخسارة بداية جديدة. لذلك حين خذلها الأقربون، لم تردّ بالمرارة، بل بالارتقاء. فتحت نوافذ روحها للريح لتُنقّيها، وقررت أن تمشي في طريقها ولو وحدها، لأن النور لا يحتاج جمهورًا ليلمع.
كانت امرأة من نور وريحان؛ تنحني لتضمّ طفلاً يبكي، وتنهض لتواجه عاصفة الحياة بكل كبرياء الأنثى التي عرفت قيمتها. في صوتها حنان الأم، وفي عينيها صلابة المقاتلة، وفي قلبها وطن صغير اسمه الأمل.
واليوم، حين تنظر إلى المرآة، لا ترى التجاعيد التي رسمها الزمان، بل ترى قصصًا من صمود وأجنحة من ضوء. ابتسمت وقالت لنفسها:
“لقد كنتِ وحدك، ومع ذلك نجوتِ… وما زلتِ تزهرين.
![]()
