الكاتبة أمينة حمادة
ناصر فتى يبلغ من العمر ثمانية ونيف، بعيون كهرمانية واسعة، وأنف طويل، بشرته أميل إلى الأسمر بفعل شمس آب الحارقة.
وجدته يتكئ على مرفقه شارد الذهن، باغته بسؤالي لأبدد شروده:
ما بك اليوم؟ منذ عودتك من المدرسة وأنت على هذا الحال…
نظر إليّ نظرة جنائزية، وقال بعد أن نفث زفيرًا طويلًا:
يتنمرون عليّ دومًا، وما ذنبي أنااا…
بماذا؟
قاطعته، لكنه لم يجب، فقط يقلب بإسوارة فضية اللون لا توجد عليها أي رسومات.
ندهته لينتبه إليّ، فأجاب:
لأجل الدُملُج؟
أخفض رأسه بأسى:
نعم، هذه لوالدتي، حين كنت في السادسة من عمري. أذكر ذلك اليوم كحلم لا يمكن نسيانه. احترق المطبخ إثر انفجار جرة الغاز، أخرجتنا لننجو، لكنها لم تنج…
سالت دموعه تبلل الإسوارة، وأكمل:
اجتمع رجال الحي والنسوة ليحاولوا إطفاء الحريق، لكن بصعوبة بالغة استطاع والدي فتح نافذة المطبخ. استنشقت آخر نفس، ونظرت إلينا نظرة وداع لطيف، ورحلت بصمت دون صراخ وخوف من الموت. ما يهمها أننا بخير… ليتها لم تأخذ ذاك الشهيق اللعين، هو سبب موتها…
لا يا ناصر، هذا قدر الله وحكمته، ويجب ألا تخجل من الأسوارة، فهذه ذكرى عزيزة على قلبك… ارفع رأسك شامخًا، وأخبرهم أنك وفيّ لوالدتك، وبارٌّ بها حتى بعد موتها، تحتفظ بآخر قطعة بقيت من جسدها…
![]()
