الكاتبه عفراء فيصل
#فيونا
كانت الحيّاة في شارع “النخيل” تمضي ببطءٍ يشبه خطوات امرأةٍ متعبة، إلا بيتًا واحدًا ظلّ نابضًا بالحركة: بيت العجوز “ثُريا”.
كانت ثُريا تجلس كل عصر أمام شباكها الخشبي، تراقب الطريق بعيونٍ لامعة، كأنها تنتظر شيئًا يعرفه الجميع ولا يعترف به أحد.
ذات مساء، اجتاح الحيّ خبرٌ صغير:
عودة “عادل”… ابن ثريا الوحيد… بعد عشر سنوات من السفر والانقطاع.
في ذلك اليوم، جلست ثريا في مكانها المعتاد، ولكن نبضًا خفيفًا كان يرتجف في يدها وهي تضمها إلى صدرها.
مرّ الأطفال، مرّت الجارات، مرّ الباعة، ولم يمرّ عادل.
حين غربت الشمس، أغلقت ثريا نافذتها للمرة الأولى قبل اكتمال الليل، ودخلت غرفتها الصغيرة.
نامت وهي تحدث نفسها:
“ربما يأتي غدًا… القلب يعرف موعده، حتى لو لم يعرفه الوقت”.
في صباح اليوم التالي، فتح الجيران الباب على صوت سيارة توقفت أمام بيتها.
نزل منها رجلٌ شاحب الملامح، يحمل حقيبة صغيرة، ويتأمل البيت بارتباك.
كان عادل.
دخل البيت بخطوات ثقيلة، نادى بصوتٍ مكسور:
“يمه؟”
لم تجب.
وجدها في غرفتها نائمة… أو هكذا ظن.
اقترب منها، ومسح على يدها التي لطالما انتظرته.
كانت يدًا باردة، لكنها متربّصة بلمسته الأخيرة.
عند باب الغرفة، وُجد ورقة صغيرة.
كتبت فيها ثريا قبل نومها الأخير:
“إن أتيتَ متأخرًا… لا تخف.
القلب لا يعرف التأخير، يعرف فقط أنك عدت.”
وقف عادل يبكي بصمت، وتدرك الجدران أن بعض القصص لا تُكتب لتكتمل…
بل لتُعلّمنا أن هناك قلوبًا تنتظرنا حتى آخر نبض، ثم ترحل مطمئنة.
![]()
