...
IMG 20260810 WA0001

 

الكاتب عاشق الرعب

 

الفصل الأول: السيارة التي لا تتحرك

 

في أحد أحياء التجمع الخامس الهادئة، حيث تتراص الفيلات المتشابهة، وتنام الشوارع تحت ضوء الأعمدة الذهبية، كان شارع النرجس يشهد هدوءًا غير معتاد منذ ثلاثة أيام. في زاويته البعيدة، وقفت سيارة ملاكي سوداء، مغطاة بقطعة قماش ثقيلة، وكأنها تابوت معدني انتظر حتى يحين موعد فتحه.

 

لم يلحظها أحد في البداية. الحيّ يسكنه أثرياء ورجال أعمال، والسيارات الفاخرة ليست غريبة هناك. لكن الرائحة هي التي فضحت السرّ.

 

في صباح الثلاثاء الموافق العاشر من أغسطس، خرج الحاج عمار عواد، رجل ستيني اعتاد روتين الخبز الصباحي، لكن أنفه توقف عند منعطف الشارع. رائحة كريهة، ثقيلة، تشبه رائحة الحديد الصدئ والعظام القديمة، تتسرب من تحت غطاء السيارة القماشي. في البداية ظنها حيوانًا نافقًا، لكن الرائحة كانت أقوى وأكثر بشاعة.

 

أبلغ الشرطة.

 

عندما وصل رجال المباحث ورفعوا الغطاء، توقف الزمن. كان المشهد كابوسًا يقظًا: أربع جثث متراصة في الداخل، في أوضاع شبه طبيعية. الأم جالسة على مقعد السائق، يداها مشبكتان بالمقود، وكأنها كانت تحاول قيادة السيارة إلى بر الأمان. الأب بجوارها، رأسه مائل على الزجاج الجانبي. وفي الخلف، ابنتاه الكبرى والصغرى، تبلغان السادسة عشرة والرابعة عشرة، متجاورتين، وكأن الكبرى كانت تحمي الصغرى من شيء ما.

 

لكن ما أثار الرعب الحقيقي هو وجوههم.

 

جميع الجثث كانت مفتوحة العيون، متسعة بشكل غير طبيعي، وكأنهم رأوا ما لا يُرى. ملامحهم مشوهة برعب لا يمكن وصفه، وكأن الموت لم يأتِ ببطء، بل قفز إليهم فجأة وسرق أرواحهم في لحظة خاطفة.

 

لم يعثر المحققون على دماء، ولا طلقات، ولا آثار خنق. لا كدمات، ولا جروح، ولا أي أثر للمقاومة الجسدية. كان الموت غامضًا، صامتًا، ومريعًا.

 

 

 

الفصل الثاني: المشرحة والسر المدفون

 

نُقلت الجثث الأربع إلى مشرحة زينهم، تحت حراسة مشددة وأمر من النيابة العامة. تولى التشريح الدكتور هاني الورداني، كبير الأطباء الشرعيين، الذي رأى في ثلاثين عامًا من العمل آلاف الموتى، لكنه لم يرَ مثل تلك الحالة قط.

 

تقرير التشريح كان مفاجئًا وصادمًا في آن واحد: لم تعثر الأدوات الطبية على أي سموم، أو أمراض عضوية، أو إصابات داخلية. قلوب الضحايا كانت سليمة، لكنها توقفت فجأة. التحليل أظهر أن نسبة هرمون الأدرينالين في دمائهم كانت أعلى بخمسة عشر ضعفًا من المعدل الطبيعي، وهو الهرمون الذي يفرزه الجسم في لحظات الخوف الشديد.

 

الاستنتاج الطبي كان أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع: جميع الضحايا ماتوا بسبب صدمة نفسية حادة. ماتوا من الرعب.

 

لكن السؤال الأكبر ظل معلقًا في الهواء: ما الذي يمكن أن يراه أربعة أشخاص في سيارة مغلقة، في شارع هادئ، في منتصف الليل، ليدفع قلوبهم إلى التوقف جميعًا في نفس اللحظة؟

 

التحقيقات بدأت تأخذ منعطفًا آخر عندما عُثر تحت مقعد السيارة الخلفي على هاتف محمول، لا يزال يعمل، وكانت عليه كاميرا مسجلة لمقطع فيديو مدته أربع دقائق وثلاث وعشرون ثانية.

 

عندما شغّل المحققون الفيديو، ساد صمت ثقيل في غرفة التحقيق.

 

كانت اللقطات مظلمة ومهتزة، وصوت الطفلة الصغرى، ملك، يهمس بخوف: «بابا… ماما… في حد واقف برة السيارة من ساعة ما دخلنا الشارع. مش بيمشي. بس واقف. بيبص علينا».

 

حاولت الأم تهدئتها، لكن صوت الأب كرم تدخل بعصبية: «سيبك من الكلام الفاضي يا هدى. أنا شايفه من ساعة ما دخلنا النرجس. ده مش إنسان عادي. افتحي الباب وأنا هجيب طوبة من الفيلا اللي تحت».

 

لكن الأم رفضت، وخلال تلك اللحظات، ظهر في نهاية الفيديو شكل قاتم، يرتدي عباءة سوداء طويلة، يقف على بعد أمتار قليلة من السيارة. لم تظهر ملامح وجهه، لكن عينيه كانتا تلمعان في الظلام كعينين حمراوين.

 

ثم سُمع صوته. صوت رجل بالغ، عميق، ثقيل، وكأنه يخرج من قاع بئر قديم. قال:

 

«أنت قتلت أخي يا كرم… كرم عبدالجواد… أنت هربت من العدالة بفلوسك ومحاميك. النهاردة العدالة السوداء جاية لك. مش هتموت لوحدك. هتموت وعيلتك كلها تشوف. عين بالعين. سن بالسن. روح بأربعة أرواح بدل روح».

 

حاول كرم تشغيل المحرك، لكن السيارة لم تستجب. حاول فتح الأبواب، لكن جميع الأقفال انغلقت إلكترونيًا فجأة، وكأن هناك يدًا خفية تسيطر على السيارة عن بُعد.

 

اقترب الرجل الأسود من السيارة، ووضع كفه الأيمن على الزجاج الأمامي، وبدأ يهمس بكلمات غير مفهومة، وكأنها تعاويذ قديمة بلغة منسية. مع كل كلمة، تصاعد بخار كثيف من الزجاج، وكأن حرارة هائلة تضرب السيارة من الخارج.

 

صرخت الطفلة الكبرى نور: «بابا! قلبي بيوجعني! مش قادرة أتنفس!»

 

صرخت الصغرى ملك: «أنا شايفة وشه! وشه تحت العباية! له عيون حمرا!»

 

وهنا انقطع التسجيل فجأة.

 

 

 

الفصل الثالث: هوية المنتقم

 

قامت الأجهزة الأمنية بتفريغ كاميرات المراقبة في المنطقة. رصدت الكاميرات السيارة الملاكي السوداء وهي تدخل شارع النرجس في تمام الساعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة صباحًا، وخلفها سيارة بيضاء على بعد مائة متر، توقفت لحظة دخول السيارة السوداء، ثم انعطفت وابتعدت بسرعة.

 

تم تتبع السيارة البيضاء، وتبين أنها مستأجرة من مكتب تأجير سيارات في مدينة نصر، وأن المستأجر هو رجل يدعى سامح رجب الدسوقي، في التاسعة والثلاثين من عمره، عاطل عن العمل، ومقيم في منطقة عين شمس.

 

لكن الأهم من ذلك أن الصوت المسجل في فيديو الطفلة ملك طابق تمامًا، بعد تحليل دقيق من خبير الصوتيات، صوت سامح في تسجيلات سابقة بقضايا تهديد موقوفة ضده.

 

بدأت خيوط اللغز تتكشف عندما بحثت التحريات في تاريخ سامح. تبين أنه الشقيق الأصغر لأحمد رجب الدسوقي، شاب كان يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، وتوفي في حادثة دهس مروعة أمام نادي التجمع قبل خمس سنوات. السائق المتهم في تلك الحادثة كان كرم عبدالجواد، والد الضحايا الأربعة.

 

في ذلك الوقت، خرج كرم بكفالة، واستعان بمحامٍ ماهر، وتمكن من إسقاط التهمة بسبب «غياب شهود عيان» و«وجود عطل في كاميرات المنطقة» وقت الحادث. برأته المحكمة، لكن عائلة أحمد رفضت الحكم. والد سامح، رجب الدسوقي، أدلى بتصريحات نارية قال فيها: «ابني مش هيموت عبث. كرم ده راجل عنده نفوذ. بس أنا هاخد حقي بنفسي». لكنه توفي بعد ذلك بعامين بسبب أزمة قلبية، وترك سامح وحيدًا في العالم، يغلي بالغضب والألم.

 

اختفى سامح عن الأنظار لمدة خمس سنوات، لكن جيرانه في عين شمس أفادوا بأنه عاد مؤخرًا من رحلة غامضة إلى الصعيد، وعاد ومعه كتب قديمة وتمائم غريبة. كان يغلق على نفسه الغرفة لساعات، ويخرج في منتصف الليل، ولا يكلم أحدًا.

 

في الثالثة فجرًا من يوم الخميس، اقتحمت قوة أمنية شقته في عين شمس. كانت الشقة مظلمة، لكنهم وجدوه جالسًا في زاوية الغرفة على بساط صلاة أسود، أمامه شمعة حمراء مشتعلة وصور لعائلة كرم مثبتة على الحائط، وعليها علامات غريبة بلون أحمر شبيه بالدم.

 

لم يقاوم سامح. مدّ يديه بهدوء، وقال ببرود: «جيتوا متأخرين. هما ماتوا من يومين. أنا كنت مستنيكم عشان أقولكم الحكاية كلها».

 

عُثر في شقته على العباءة السوداء المطابقة لما ظهر في الفيديو، وهاتف محمول يحتوي على صور متابعة لعائلة كرم على مدار ثلاثة أشهر كاملة، ودفتر مخطوط بخط يده يحتوي على تعاويذ وأوراد غريبة، بعضها بالعربية، والبعض الآخر بحروف غير مفهومة، إضافة إلى جهاز تشويش إلكتروني يُستخدم لتعطيل أقفال السيارات عن بُعد.

 

خلال التحقيق في النيابة، اعترف سامح بكل شيء، لكن طريقة اعترافه جعلت حتى المحققين يرتجفون. قال: «أنا ما مسكتش سكين. ما طلقتش رصاصة. أنا قريت عليهم آية الموت السودا. آية كنت جبتها من شيخ في الأقصر. أنا قتلتهم بالروح. قلوبهم كانت مليانة بالذنب، والذنب بيقتل صاحبه».

 

 

 

الفصل الرابع: المحاكمة

 

مثل سامح رجب الدسوقي أمام محكمة جنايات القاهرة، مرتديًا القميص الأبيض والأغلال الثقيلة. ترأس المحكمة المستشار فوزي عبدالسلام، ورفعت النيابة العامة لائحة اتهام قوامها ثلاث وسبعون صفحة، تتهم سامح بالقتل العمد مع سبق الإصرار لثلاثة أشخاص على الأقل، والتسبب في وفاة الرابع، وحيازة أدوات سحرية، وانتهاك حرمة الحياة الخاصة عن طريق التعقب والترصد.

 

استمعت المحكمة إلى سبعة عشر شاهدًا، بينهم الجيران، والأطباء الشرعيون، وخبراء الصوتيات والأدلة الجنائية. جميع الأدلة كانت تشير إلى سامح، لكن الدفاع، بقيادة المحامي المخضرم منصور الليثي، قدم دفاعًا مثيرًا للجدل:

 

«موكلي لم يلمس الضحايا بإصبعه. لم يستخدم سلاحًا ناريًا أو أبيض. الوفاة حدثت لأسباب طبيعية بحتة حسب تقرير الطب الشرعي. هل يمكن محاكمة رجل لأنه دعا على آخرين؟ هل أصبح الدعاء جريمة في دولة القانون؟».

 

لكن النيابة ردت بحسم:

 

«المتهم تعقب العائلة، وعطّل السيارة إلكترونيًا، وتسبب في حالة رعب جماعي أدت إلى الوفاة. حتى لو كانت الآلة نفسية، فالنتيجة قتل. القانون يعترف بالقتل بالإهمال والخطأ، فكيف بالقتل المتعمد بوسائل نفسية؟!».

 

في الجلسة الخامسة، طلب سامح الكلمة من قفص الاتهام، وصمتت القاعة تمامًا عندما سمعوا صوته الهادئ المخيف:

 

«أنا مش نادم يا سيادة القاضي. أنا شفت أخويا أحمد وهو بيتسحل تحت عجلات عربية كرم في الشارع. كرم كان نازل من حفلة خمرة، سكران، ودهس أخويا وهرب. أنا شفت أمي وهي بتموت من الحزن، وأبويا وهو بيدعي ربنا بالقصاص قبل ما يموت. أنا ما قتلتش أطفال، أنا قتلت الذنب اللي في قلب كرم. أنا اديتهم فرصة، قلت لكرم في التليفون قبل الحادثة بأسبوع: روح اعترف، روح ادفع دية لأهلي، بس هو ضحك وقالي: “أنت عامل قضية قديمة، روح تناكح في دي”. يا سيادة القاضي، لو كنت مكاني، كنت هتعمل زيّي؟».

 

هزت كلماته قاعة المحكمة، وساد صمت طويل.

 

 

 

الفصل الخامس: الحكم والنهاية الغامضة

 

بعد اثنتي عشرة جلسة، ومرافعات نارية استمرت ساعات، أصدرت المحكمة حكمها. تلوت هيئة المحكمة حيثيات الحكم لمدة ساعة كاملة، ثم أعلن المستشار فوزي عبدالسلام الكلمات المصيرية:

 

«حيث إن المتهم قد أقدم على فعل مؤثم أدى إلى وفاة أربعة أشخاص، باستخدام وسائل نفسية وإلكترونية منظمة، مما يستوجب أقصى عقوبة، لكن المحكمة تراعي الظروف القاسية التي مر بها المتهم وفقدانه لعائلته في حادثة سابقة. العارضة: المحكمة تحكم بمعاقبة المتهم سامح رجب الدسوقي بالسجن المؤبد خمسة وعشرين عامًا مع الشغل والنفاذ، ومصادرة المضبوطات، وإلزامه بدفع تعويض مدني مؤقت لأهالي الضحايا وقدره مائتا ألف جنيه».

 

صرخ أهالي الضحايا في القاعة مطالبين بالإعدام، لكن القاضي ضرب بالجلسة. نظر سامح إلى القاضي وابتسم ابتسامة باردة، وقال بصوت مسموع:

 

«خمسة وعشرون سنة… كويس. كدة أنا هخرج وأنا عندي أربعة وستين سنة. هروح أقعد عند قبر أخويا كل يوم. العدالة الإلهية خلصت شغلها هنا… راحت لأهلي في الآخرة».

 

بعد إقفال القضية، نُقلت السيارة السوداء إلى مخزن الأدلة في قسم التجمع. وضعوها في زاوية بعيدة، لكن الحراس قالوا إنهم يسمعون كل ليلة، عند الساعة الثانية صباحًا، توقيت الجريمة، صوت طرق خافت قادم من صندوق السيارة، رغم أنهم فتحوه أكثر من مرة ووجدوه فارغًا. حاول أحد الضباط تصوير السيارة بهاتفه، لكن الصورة خرجت مشوشة تمامًا، وظهرت فيها ظلال أربعة أشخاص جالسين في المقاعد الخلفية، وكأنهم ما زالوا هناك.

 

أمرت النيابة بإتلاف السيارة، لكنها اختفت من المخزن قبل يوم من الإتلاف. لا أحد يعرف كيف خرجت، ولا أحد يعرف أين ذهبت.

 

يقول سكان التجمع إنهم رأوها في منتصف الليل تتجول في شارع النرجس مرة أخرى، بدون سائق، وزجاجها الأمامي يُصدر صوتًا يشبه البكاء. آخر من رآها كان عامل النظافة مسعود، الذي قال لزملائه قبل أن يصاب بحالة ذهانية حادة:

 

«كانت واقفة عند نفس المكان، والأضواء جواها مطفية، لكن الأبواب الخلفية كانت مفتوحة شوية… وأنا أقسم بالله العظيم، شوفت إيد طفلة صغيرة بتلوح لي من جواها، وكأنها بتقولي: تعالى… تعالى نشوف بعض تاني في عالم تاني».

 

لم يعد مسعود إلى العمل منذ ذلك اليوم، ولا ينطق إلا بعبارة واحدة:

 

«الانتقام الأسود مش نهاية… هو بداية».

 

وهكذا، بقيت قصة السيارة الملعونة علامة فارقة في تاريخ القضايا المصرية، أول قضية يُدان فيها متهم بالقتل باستخدام الأسلحة النفسية. لكن السؤال الذي يظل معلقًا في هواء شارع النرجس كل ليلة: هل كان سامح مجرمًا؟ أم كان آلة انتقام حقها الزمن؟ أم أن الخوف هو ما يقتلنا حقًا، وليس الأيدي؟

 

وما زال الأهالي يتجنبون المرور بعد منتصف الليل، ويغمضون أعينهم حين تمر سيارة ملاكي سوداء من بعيد؛ لأنهم يعرفون الآن أن العدالة التي لا تأتي من فوق، تأتي من تحت، ومن تحت لا أحد ينجو.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *