...
IMG 20260811 WA0012

 

 

الكاتبة: عاليا عجيزة

 

في زاوية منسية من قبو عتيق يقع أسفل قصر قديم، حيث تتراقص ذرات الغبار المنسية في شعاع خافت ينفذ من نافذة مرتفعة، كان يرقد صندوق خشبي صغير محفور بعناية فائقة. كان الوقت قد عفا عليه، وظل غارقًا في صمت عميق لعقود طويلة، حاملًا بين أركانه أسرارًا لم تمسها يد بشر منذ زمن بعيد. كان هذا القبو جزءًا من إرث عائلة أرستقراطية بائدة، يفوح من جنباته عبق التاريخ المنسي وروائح الماضي البعيد.

 

جذبت قطعة من القماش المخملي القديم انتباه «ياسين»، وهو باحث وشاب شغوف بجمع القطع الأثرية النادرة وتتبع قصصها المطوية. كان ياسين يبحث عن مصادر جديدة لمعجم تاريخي يعكف على تأليفه، وقد حصل بصعوبة على إذن لزيارة هذا القصر قبل أن تطاله أيدي الهدم. بفضول يملأ قلبه، دفع ياسين الغطاء الخشبي الثقيل للصندوق، فبعثت منه رائحة عتيقة تجمع بين الورق المجفف والغبار والزمن الراكد.

 

داخل الصندوق، وجد عدة رسائل قديمة بأظرف مهترئة، ومفتاحًا نحاسيًا كبيرًا، وكتابًا جلديًا سميكًا مزينًا بنقوش ذهبية باهتة. لكن ما لفت نظره حقًا وجعله يتوقف مدهوشًا، كان ميدالية بيضاوية الشكل مصنوعة من البرونز المعتق، معلقة بسلسلة دقيقة متشابكة. في قلب الميدالية، كانت تقبع صورة بورتريه صغيرة لسيدة شابة، مرسومة بلمسات فنان ماهر، وبدا أنها تنظر إليه بعيون مليئة بالغموض والشجن.

 

هزت هذه الميدالية كيان ياسين، وتساءل في سره: من تكون هذه المرأة؟ وما القصة الخفية وراء وجودها هنا؟ لم يجد أي اسم أو تاريخ محفور على حواف الميدالية، لكنه شعر أن وراءها حكاية تستحق أن تُروى. فتح ياسين الكتاب الجلدي السميك، وشرع يقلب صفحاته الصفراء المهترئة بأصابع حذرة. كان الكتاب عبارة عن مذكرات لـ«فريدريك دي لاسي»، صاحب القصر الأصلي، وقد كُتبت بخط يده المتعرج والمليء بالعواطف المتضاربة.

 

بدأ ياسين يقرأ المذكرات بشغف، محاولًا حل لغز الميدالية. في البداية، تحدث فريدريك عن حياته في القصر، وعن حبه للفن والأدب، وعن طموحاته العريضة. لكن سرعان ما تغيرت نبرة المذكرات لتصبح مليئة بالحزن والشوق. تحدث فريدريك عن حب حياته، «إيلينا»، وهي فتاة بسيطة كانت تعمل في إدارة القصر. وقع فريدريك في حبها، وجمعتهما قصة حب سرية مليئة بالشغف والتحديات، إذ كانت إيلينا تجسيدًا للجمال والبراءة في عينيه.

 

لكن حبهما كان محكومًا عليه بالمواجهة؛ إذ رفضت عائلته هذه العلاقة تمامًا، وحاولوا بكل السبل إبعادها عنه للحفاظ على المكانة الاجتماعية. وفي نهاية المطاف، تم إبعاد إيلينا عن القصر، واختفت أخبارها تمامًا. وفي صفحات المذكرات، وصف فريدريك يأسه وحزنه العميق بعد رحيلها. كان يقضي لياليه في كتابة القصائد لها، وفي محاولة رسم صورتها من الذاكرة. وذكر أنه طلب من فنان ماهر رسم هذا البورتريه الصغير لإيلينا ووضعه داخل الميدالية لترافقه دومًا.

 

كتب فريدريك: «كنت أنظر إلى صورتها في الميدالية كل يوم، وأشعر وكأنها لا تزال معي، تبتسم لي وتهمس بكلمات الأمل. كانت هي أملي الوحيد في هذا العالم المظلم». لكن المذكرات لم تكشف عن مصير إيلينا النهائي، ولم يذكر فريدريك ما إذا كان قد التقى بها مجددًا، إذ انتهت الكتابة فجأة عند تلك الصفحة.

 

واصل ياسين القراءة والبحث، محاولًا العثور على أي خيط يوصله إلى نهاية القصة. وفي الصفحة الأخيرة من المذكرات، وجد إشارة إلى قرية صغيرة تقع على بعد أميال من القصر. قرر ياسين السفر إلى تلك القرية للبحث عن أي أثر يعود لإيلينا أو عائلتها. وهناك، بعد رحلة بحث طويلة بين السجلات القديمة والأهالي، التقى بامرأة عجوز تُدعى «ماريا»، كانت عائلتها تستضيف إيلينا بعد خروجها من القصر.

 

روت ماريا لياسين أن إيلينا عاشت بقية حياتها تتذكر فريدريك وتدعو له، لكنها أصيبت بمرض شديد، ولم تمهلها الحياة طويلًا. وأوضحت أن إيلينا تركت رسالة صغيرة تحث فيها فريدريك على المضي قدمًا في حياته وعدم الاستسلام للحزن.

 

عاقدًا العزم على توثيق هذه التجربة، عاد ياسين إلى محترفه، وكتب الفصل الأخير من معجمه التاريخي، مخصصًا مساحة واسعة لقصة فريدريك وإيلينا والميدالية المفقودة. لم تكن الميدالية مجرد قطعة معدنية نادرة، بل كانت جسرًا عبر الزمن أعاد إحياء ذكريات أوشكت على الاندثار، تاركة أثرها في صفحات التاريخ وفي قلب كل من قرأ قصتهما.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *