بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
كانت السيارات الثلاث تقترب منهم بسرعة.
السيارة الأولى خلفهم مباشرة، والثانية بدأت تتحرك إلى جانبهم، بينما بقيت الثالثة في الخلف كأنها تمنع أي محاولة للهرب.
نظر الرجل إلى المرآة.
وقال:
“اربطوا أحزمة الأمان.”
سأله آدم:
“إلى أين نذهب؟”
“إلى الطريق القديم.”
قالت مريم بسرعة:
“لا.”
نظر إليها.
“ماذا؟”
قالت:
“الطريق القديم مراقب.”
أجابها:
“إذن ماذا تريدين أن أفعل؟”
أشارت إلى الطريق الجانبي.
“اتجه إلى الشرق.”
نظر إليها باستغراب.
“هناك طريق صحراوي.”
قالت:
“أعرف.”
“وسياراتهم ستلحق بنا.”
أجابت:
“إذا دخلنا الطريق الصحراوي قبل المنعطف الثالث، لن يستطيعوا استخدام سياراتهم خلفنا.”
لم يسأل الرجل أكثر.
انحرف بالسيارة فجأة.
اصطدمت إحدى السيارات التي تطاردهم بحاجز إسمنتي، بينما حاولت الثانية اللحاق بهم.
صرخت ليان عندما اهتزت السيارة.
أمسك آدم بيدها.
“أنتِ بخير؟”
هزت رأسها.
لكنها لم تترك يده.
استمرت السيارة في السير حتى اختفت أضواء المدينة خلفهم.
أصبح الطريق مظلمًا تمامًا.
لا مباني…
لا سيارات…
ولا أي ضوء سوى ضوء القمر.
قال آدم:
“كم بقي حتى نصل؟”
أجابته مريم:
“إذا لم يلحقوا بنا… حوالي ساعة.”
ثم أضافت:
“لكن لدينا مشكلة أكبر.”
نظر إليها.
“ما هي؟”
قالت:
“الخريطة.”
أخرجت الخريطة من حقيبتها.
“هناك جزء ناقص.”
نظر آدم إليها.
“كيف يعني؟”
“الخريطة التي معنا ليست كاملة.”
سألته ليان:
“وأين الجزء الآخر؟”
أجابت:
“كان مع والدك.”
قال آدم:
“لكننا وجدنا الخريطة في البيت.”
“وجدتم نصفها.”
صمت آدم.
ثم فتح الدفتر الجلدي الذي أخذه من الغرفة.
بدأ يقلب صفحاته.
وفي إحدى الصفحات…
وجد رسمًا غريبًا.
دائرة تتوسطها عين.
وتحتها أربعة رموز.
كان أحدها يشبه الخاتم.
والثاني يشبه القلادة.
والثالث مفتاحًا.
أما الرابع…
فكان صورة قبر.
قال آدم:
“ما هذا؟”
اقتربت مريم.
وعندما رأت الصفحة…
تغير وجهها.
قالت:
“أغلق الدفتر.”
“لماذا؟”
“لأن هذه الصفحة لم يكن يجب أن تكون موجودة.”
نظر آدم إليها.
“أنتِ تعرفينها.”
لم تجب.
قالت ليان:
“قولي الحقيقة.”
تنهدت مريم.
“هذا هو قبر الرجل الثالث.”
سأل آدم:
“الرجل الذي مات بدل أبي؟”
أومأت.
“نعم.”
قال:
“وأين القبر؟”
أشارت إلى الرمز.
“في المكان الذي سنمر به قبل الوصول إلى وادي الحراس.”
نظر آدم إلى الرجل الذي يقود السيارة.
“إذن سنتوقف هناك.”
قالت مريم:
“لا.”
“لماذا؟”
“لأن هذا القبر ليس مجرد قبر.”
سألته ليان:
“ماذا تقصدين؟”
قالت مريم:
“والدك لم يدفن بداخله رجلًا.”
توقفت لحظة.
ثم قالت:
“دفن بداخله سرًا.”
لم يستوعب آدم كلامها.
“ما معنى ذلك؟”
قبل أن تجيب…
توقفت السيارة فجأة.
ارتطم آدم بالمقعد الأمامي.
صرخت ليان.
قال الرجل:
“هناك شيء في الطريق.”
نزل الجميع.
كان الطريق أمامهم خاليًا.
لكن في منتصفه…
كانت هناك سيارة سوداء متوقفة.
نفس نوع السيارات التي كانت تطاردهم.
اقترب الرجل بحذر.
وجد الباب مفتوحًا.
ولا أحد بداخلها.
قال آدم:
“ربما تركوها.”
هز الرجل رأسه.
“لا.”
ثم أشار إلى الأرض.
كانت هناك آثار أقدام.
تتجه نحو الصحراء.
قالت مريم:
“إنهم يعرفون أننا هنا.”
نظر آدم إلى الدفتر.
ثم إلى الصحراء.
وقال:
“إذن نحن نتبع آثارهم.”
أمسكت ليان بذراعه.
“آدم…”
قال:
“لو كان هناك شيء يريدون الوصول إليه قبلنا، فلابد أن نعرف ما هو.”
قال الرجل:
“لا.”
ثم أضاف:
“هذه قد تكون خدعة.”
لكن مريم كانت تنظر إلى آثار الأقدام.
ثم قالت:
“ليست خدعة.”
سألها آدم:
“كيف تعرفين؟”
أشارت إلى إحدى الآثار.
كان بجانبها أثر قدم صغير.
ثم أثر آخر.
قالت:
“الشخص الذي ترك هذه الآثار لم يكن وحده.”
تقدم آدم.
لاحظ آثارًا أخرى.
لكنها لم تكن آثار رجال بالغين فقط.
كان هناك أثر صغير لطفل.
تغير وجهه.
قال:
“طفل؟”
لم تجب مريم.
نظر إليها.
“مريم…”
قالت:
“لنذهب.”
بدأوا السير.
بعد مسافة قصيرة…
وجدوا بابًا حديديًا صغيرًا مدفونًا بين الصخور.
كان عليه نفس رمز عين حورس.
أخرجت مريم المفتاح الأسود.
وضعته في القفل.
لكن القفل لم يتحرك.
قال آدم:
“الخاتم.”
أخرج خاتمه.
اقترب من الباب.
وضعه في تجويف صغير بجوار القفل.
ثم قالت مريم:
“والقلادة.”
وضعت ليان قلادتها.
صدر صوت معدني عميق.
وانفتح الباب.
ظهر أمامهم سلم ينزل إلى باطن الأرض.
نظر آدم إلى ليان.
ثم قال:
“يبدو أننا وصلنا إلى مكان لم يكن المفروض أن نعرفه.”
نزلوا.
كان السلم طويلًا.
وفي نهايته وجدوا غرفة حجرية صغيرة.
على الجدار كانت هناك جملة محفورة:
“من يبحث عن الحقيقة يجب أن يعرف أولًا من الذي كذب عليه.”
اقترب آدم.
ثم وجد أسفل الجملة أربعة أسماء.
اسم والده.
اسم والد ليان.
اسم مريم.
والاسم الرابع…
فارس.
تجمد آدم.
قال:
“فارس كان يعرف هذا المكان.”
قالت مريم:
“نعم.”
“ولماذا لم يخبرنا؟”
لم تجب.
ثم رأى آدم شيئًا آخر.
كان هناك صندوق خشبي صغير.
فتحه.
وجد بداخله صورة قديمة.
في الصورة…
كان والده ووالد ليان ومريم وفارس يقفون معًا.
لكن خلفهم كان يقف رجل خامس.
رجل لم يره آدم من قبل.
إلا أن ليان عرفته.
شهقت فجأة.
“هذا أبي.”
نظر آدم إليها.
“متأكدة؟”
أومأت والدموع في عينيها.
“نعم.”
لكن المفاجأة لم تكن في وجود والدها بالصورة.
كانت في الشخص الواقف بجواره.
رجل وضع يده على كتف والد ليان.
قال آدم:
“من هذا؟”
نظرت مريم إلى الصورة.
ثم تغير وجهها بالكامل.
قالت بصوت خافت:
“نادر.”
اقترب آدم.
“نادر السيوفي؟”
أومأت.
ثم قالت:
“لكن هذه الصورة التُقطت قبل اكتشافي للسر بعامين.”
سأل آدم:
“إذن كان يعرف كل شيء قبل أن تكتشفيه؟”
لم تجب.
قلبت ليان الصورة.
كان هناك تاريخ مكتوب خلفها.
وبجواره جملة قصيرة بخط والدها:
“نادر ليس الخائن.”
ساد الصمت.
نظر آدم إلى مريم.
ثم إلى ليان.
ثم عاد إلى الصورة.
قال:
“إذن من الخائن؟”
وفجأة…
صدر صوت خطوات من أعلى السلم.
خطوة…
ثم ثانية…
ثم ثالثة.
أطفأت مريم المصباح فورًا.
همس الرجل:
“هناك شخص نزل خلفنا.”
اختبأ الجميع في الظلام.
ثم ظهر ضوء مصباح في أعلى السلم.
بدأ صاحبه ينزل ببطء.
وعندما وصل إلى آخر درجة…
توقف.
ثم قال بصوت هادئ:
“كنت أعرف أنكم ستجدون هذا المكان.”
تجمد آدم.
فقد عرف الصوت.
كان صوت فارس.
لكن فارس لم يكن وحده.
كان يقف بجواره رجل آخر.
وعندما أضاء المصباح على وجهه…
شهقت ليان.
لأن الرجل كان يحمل في يده…
نصف الخريطة المفقود.
انتظر الجزء القادم
![]()
