بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ظل آدم واقفًا في أسفل السلم، وعيناه معلقتان بالرجل الذي ظهر بجوار فارس.
كان يحمل نصف الخريطة المفقود في يده.
أما فارس، فكان يقف خلفه بصمت، وكأن وجوده في ذلك المكان لم يكن مفاجأة بالنسبة إليه.
قال آدم:
“فارس… أنت كنت تعرف المكان ده.”
لم يجب فارس.
كرر آدم بصوت أشد:
“أنا سألتك.”
رفع فارس عينيه إليه.
“نعم.”
“ومن الرجل ده؟”
لم يجب.
تقدمت مريم خطوة إلى الأمام، ثم قالت:
“اسمه سامح.”
نظر آدم إليها.
“سامح مين؟”
قالت:
“سامح النجار.”
تغير وجه فارس.
“مريم…”
لكنها قاطعته:
“انتهى وقت الأسرار.”
نظر سامح إلى آدم.
ثم قال:
“أنا كنت واحدًا من الأشخاص الذين كُلفوا بحماية والدك ووالد ليان.”
سأله آدم:
“من المنظمة؟”
هز سامح رأسه.
“قبل أن تصبح المنظمة عدوًا لنا.”
اقترب آدم منه.
“يعني كنت واحدًا من حراس الظل؟”
أجاب:
“نعم.”
ساد الصمت.
قالت ليان:
“إذن أنت كنت تعرف كل شيء.”
نظر إليها سامح.
“كنت أعرف جزءًا منه.”
“والباقي؟”
“اكتشفته متأخرًا.”
قال آدم:
“ولماذا جئت الآن؟”
رفع سامح نصف الخريطة.
“لأن هذا كان معي منذ خمسةٍ وعشرين عامًا.”
ثم أضاف:
“وكان والدك هو من أعطاني إياه.”
نظر آدم إلى الخريطة.
“لماذا؟”
أجاب سامح:
“لأنه كان يعرف أنه سيموت.”
تغير وجه آدم.
قال:
“أبي لم يمت بالطريقة التي أخبروني بها.”
لم يجب سامح.
فقال آدم:
“أليس كذلك؟”
قال سامح:
“والدك اختفى أولًا.”
“ثم؟”
“بعد اختفائه بأيام، وصلتني رسالة منه.”
“ماذا كان فيها؟”
أخرج سامح ورقة قديمة من جيبه.
كانت أطرافها محترقة.
مدها إلى آدم.
فتحها.
وكان خط والده واضحًا:
“إذا وصلت هذه الرسالة إلى سامح، فهذا يعني أن نادر بدأ المرحلة الأخيرة.”
رفع آدم رأسه.
“لكن مريم قالت إن نادر ليس الخائن.”
قال سامح:
“وهذا صحيح.”
تدخلت ليان:
“إذن لماذا كتب والد آدم اسمه؟”
قال سامح:
“لأن نادر كان يعرف أن أحدًا من داخل المنظمة سيخونه.”
سأل آدم:
“ومن هو؟”
نظر سامح إلى فارس.
لم يتكلم.
لكن نظرته كانت كافية.
التفت آدم إلى فارس.
“أنت؟”
لم يجب فارس.
قال آدم:
“هل أنت الخائن؟”
أخيرًا تحدث فارس.
“لو كنت الخائن… لما كنت واقفًا هنا الآن.”
رد آدم:
“ربما أنت هنا لأنك تريدنا أن نثق بك.”
قال فارس:
“من حقك تشك فيَّ.”
ثم أضاف:
“لكن اسمع الحقيقة قبل أن تحكم.”
تقدم إلى الطاولة الحجرية.
وضع يده فوق الخريطة.
وقال:
“في الليلة التي اختفى فيها والدك ووالد ليان، لم تكن المنظمة تعرف مكان الأطفال.”
سأل آدم:
“إذن كيف وجدونا؟”
قال فارس:
“بسبب شخص قريب جدًا من العائلتين.”
سألته ليان:
“من؟”
أجاب:
“الخادمة التي كانت تعمل في منزل والد ليان.”
قال آدم:
“الخادمة؟”
أومأ.
“كانت تبيع المعلومات.”
ثم قال:
“لكنها لم تكن تعمل وحدها.”
أخرج سامح صورة قديمة من جيبه.
وضعها أمامهم.
كانت صورة لامرأة تقف أمام منزل والد ليان.
وبجوارها رجل غامض.
تغير وجه مريم فورًا.
قالت:
“لا…”
نظر آدم إليها.
“تعرفينه؟”
أجابت:
“نعم.”
“من؟”
قالت:
“أخي.”
تجمد الجميع.
نظر آدم إلى الصورة مرة أخرى.
“أخوك؟”
أومأت مريم.
“اسمه ياسر.”
قالت ليان:
“هل كان يعمل مع المنظمة؟”
أغمضت مريم عينيها.
“كان يعمل معهم.”
قال آدم:
“وأنتِ كنتِ تعرفين؟”
“عرفت بعد فوات الأوان.”
ثم أضافت:
“هو الذي سرق نسخة من أبحاثي.”
سأل آدم:
“وهو الذي أخبر المنظمة عن القطعتين؟”
قالت:
“نعم.”
ثم أخرجت من حقيبتها صورة أخرى.
كانت صورة لصفحة من البردية.
قالت:
“لكن ياسر لم يعرف الحقيقة كاملة.”
اقترب آدم.
كان هناك رسم لرجلين وامرأتين، وفي منتصفهم رمز غريب يشبه الشمس.
وتحت الرسم كلمات فرعونية مترجمة.
قرأتها مريم بصوت منخفض:
“عندما تجتمع القطعتان، لا يفتح الباب… بل يوقظ الذاكرة.”
قالت ليان:
“أي ذاكرة؟”
لم تجب مريم.
بل قلبت الصورة.
كان خلفها رسم لمكان يشبه معبدًا ضخمًا.
وفي منتصفه دائرة سوداء.
قال سامح:
“هذه ليست غرفة.”
سأله آدم:
“إذن ماذا تكون؟”
أجاب:
“مدينة.”
رفع آدم حاجبيه.
“مدينة؟”
قال سامح:
“مدينة مدفونة.”
سألت ليان:
“تحت الأرض؟”
“نعم.”
ثم نظر إلى الخاتم والقلادة.
“وهذه القطع ليست مفتاحًا للمدينة فقط.”
قال آدم:
“إذن ماذا تفعل؟”
اقترب سامح منهما.
وقال:
“إنها تحدد من يستطيع الدخول.”
ساد الصمت.
قال آدم:
“ومن يستطيع؟”
نظر سامح إليه.
ثم إلى ليان.
“أنتما.”
ارتجفت ليان.
“لماذا نحن؟”
أجاب:
“لأن والدكما لم يختاراكم لحمل القطعتين بالصدفة.”
ثم أخرج ورقة أخرى.
“كان هناك شرط.”
قال آدم:
“ما هو؟”
أجاب:
“أن يكون حامل الخاتم من نسل أحد حراس المعبد.”
نظر آدم إلى يده.
ثم قال:
“وأنا؟”
قال سامح:
“أنت من نسل الحارس.”
ثم نظر إلى ليان.
“وهي من نسل المرأة التي أغلقت المدينة.”
شهقت ليان.
“ما معنى ذلك؟”
قال سامح:
“معناه أن اجتماعكما لم يكن مجرد صدفة.”
تبادل آدم وليان النظرات.
وفجأة…
بدأ الخاتم في يد آدم يضيء.
وفي الوقت نفسه، بدأت القلادة حول عنق ليان تهتز.
اقتربت القطعتان من بعضهما دون أن يلمسهما أحد.
ظهر على الجدار رمز مضيء.
ثم انفتح جزء من الأرض.
كشف عن ممر حجري ينزل إلى الأسفل.
قالت مريم:
“هذا لم يحدث من قبل.”
قال سامح:
“لأن القطعتين لم تجتمعا منذ الليلة التي أخفاهما فيها والداكما.”
نظر آدم إلى الممر.
كان عميقًا ومظلمًا.
وفي نهايته ظهر ضوء خافت.
قال فارس:
“لا يمكننا النزول.”
نظر إليه آدم.
“لماذا؟”
قال:
“لأن هذا ليس الطريق إلى وادي الحراس.”
أجاب سامح:
“بل هو الطريق الذي أخفاه والداهما عن المنظمة.”
سأل آدم:
“إلى أين يؤدي؟”
نظر سامح إليه.
ثم قال:
“إلى المكان الذي بدأت منه القصة.”
تقدمت ليان نحو الممر.
أمسك آدم بيدها.
قالت:
“هل أنت خائف؟”
ابتسم.
“جداً.”
“ومع ذلك ستنزل؟”
نظر إليها.
“طالما أنتِ معي.”
ابتسمت رغم خوفها.
ونزلا أول درجة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
خلفهما نزلت مريم وسامح.
أما فارس فبقي للحظة في أعلى السلم.
نظر إلى الممر.
ثم أغلق الباب الحجري خلفهم.
وفي اللحظة التي أغلقه فيها…
وصلت سيارة سوداء إلى المكان فوق الأرض.
نزل منها ثلاثة رجال.
وكان يتقدمهم رجل لم يظهر وجهه بوضوح.
قال أحدهم:
“هل دخلوا؟”
أجاب الرجل:
“نعم.”
سأله:
“ومن أغلق الباب؟”
صمت الرجل.
ثم قال:
“فارس.”
ابتسم الرجل الغامض.
“إذن بدأ يلعب دوره أخيرًا.”
ثم رفع هاتفه.
وقال:
“أبلغوا نادر.”
توقف قليلًا.
ثم أضاف:
“قولوا له إن آدم وليان دخلا الممر.”
وأغلق الهاتف.
وفي أسفل الممر…
كان آدم وليان يقتربان من الضوء.
لكن ما لم يعرفاه بعد…
أن الشخص الذي ينتظرهما في نهاية الطريق لم يكن ميتًا.
بل كان ينتظرهما منذ خمسةٍ وعشرين عامًا.
انتظر الجزء القادم
![]()
