بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يكن أمامهم وقت للتفكير.
كانت أضواء الليزر تتحرك فوق جدران المنزل من الخارج، وتقترب شيئًا فشيئًا من النوافذ.
قال الرجل بسرعة:
“من الخلف.”
تحركت مريم نحو باب صغير خلف المكتبة.
لكن آدم أوقفها.
“لحظة.”
نظر إلى الخريطة الموجودة على الطاولة.
ثم إلى المفتاح النحاسي.
“أنتِ قلتي إن البردية الأصلية موجودة في وادي الحراس.”
أومأت.
“نعم.”
“لكن لماذا لم نذهب إليها طوال السنوات الماضية؟”
سكتت مريم.
قال آدم:
“أريد الحقيقة كاملة.”
نظرت إليه طويلًا.
“لأن الطريق إليها لا يُفتح إلا بالقطعتين.”
رفع آدم يده التي يرتدي فيها الخاتم.
ثم نظرت مريم إلى قلادة ليان.
“ولهذا كان والدكما حريصًا على ألا تلتقيا.”
قالت ليان:
“لكننا التقينا.”
ردت مريم:
“وهذا يعني أن المرحلة الأخيرة بدأت.”
فجأة…
اهتز باب المنزل بعنف.
صرخ الرجل:
“ليس لدينا وقت!”
فتح باب المكتبة.
كان خلفه ممر ضيق يؤدي إلى غرفة صغيرة تحت الأرض.
نزلوا جميعًا بسرعة.
وأغلقت مريم الباب خلفهم.
بعد لحظات…
سمعوا صوت اقتحام المنزل.
أصوات أقدام.
أبواب تُفتح.
وأشياء تتحطم.
جلست ليان بجوار آدم داخل الممر الضيق.
كانت تحاول أن تبدو ثابتة، لكن يدها كانت ترتجف.
لاحظ آدم ذلك.
فمد يده وأمسك يدها.
نظرت إليه.
قال بهدوء:
“مش هسيبك.”
لم تجب.
لكنها ضغطت على يده.
كانت تلك الحركة الصغيرة كافية ليعرف أنها تثق به.
واصلوا السير حتى وصلوا إلى غرفة تحت الأرض.
كانت الغرفة خالية إلا من طاولة حجرية قديمة.
وعلى سطحها نقش يشبه عين حورس.
توقفت مريم أمامه.
قالت:
“هذا هو السبب الذي جعلني أخفي الحقيقة كل هذه السنوات.”
اقترب آدم.
“ماذا تقصدين؟”
أشارت إلى النقش.
“ضع الخاتم هنا.”
فعل.
ثم قالت لليان:
“وأنتِ… ضعي القلادة في التجويف الآخر.”
ترددت ليان.
نظر إليها آدم.
“جربي.”
وضعت القلادة.
لم يحدث شيء.
قال الرجل:
“ربما أخطأنا.”
لكن مريم هزت رأسها.
“لا.”
ثم قالت:
“انتظرا.”
مرت ثوانٍ.
ثم بدأ النقش يضيء بضوء خافت.
ارتجفت الأرض تحت أقدامهم.
تراجعت ليان.
أما آدم فثبت مكانه.
صدر صوت قديم من داخل الجدار.
لم يكن تسجيلًا…
بل صوتًا ميكانيكيًا غريبًا، وكأن شيئًا ظل ينتظر هذه اللحظة منذ مئات السنين.
تحرك جزء من الجدار.
وظهر تجويف سري.
داخله صندوق حجري صغير.
اقترب آدم.
قالت مريم:
“لا تلمسه.”
توقف.
“لماذا؟”
“لأن والدك كتب أن الصندوق لا يُفتح إلا عندما تكون القطعتان معًا.”
نظر آدم إلى ليان.
ثم وضع يده على الصندوق.
وضعت ليان يدها فوق يده.
فتحاه معًا.
في الداخل…
لم تكن هناك ذهب أو مجوهرات.
كان هناك دفتر جلدي قديم.
وخريطة صغيرة.
ومفتاح أسود غريب الشكل.
وتحتها ورقة مطوية.
أخذ آدم الورقة.
فتحها.
وكان أول ما رآه هو خط والده.
قرأ:
“إلى آدم وليان…”
توقفت أنفاسهما.
“إذا وصلتما إلى هذه الغرفة معًا، فقد فشلنا في حمايتكما بالطريقة التي تمنيناها.”
نظرت ليان إلى آدم.
تابع:
“لكن فشلنا في حمايتكما لا يعني أننا فشلنا في حماية الحقيقة.”
قلب آدم الصفحة.
كانت هناك جملة أخرى:
“لا تذهبا إلى وادي الحراس من الطريق المعروف.”
قال الرجل:
“ماذا يعني هذا؟”
قرأ آدم:
“الطريق المعروف مراقب منذ سنوات.”
ثم ظهر سطر جعل مريم تتجمد:
“والشخص الذي سيقودكما إلى الطريق الصحيح…”
توقف آدم.
ثم قرأ:
“…هو الشخص الذي ظننتم أنه مات.”
ساد الصمت.
قالت ليان:
“من يقصد؟”
لم تجب مريم.
نظر إليها آدم.
“أنتِ تعرفين.”
قالت:
“هناك شخص واحد فقط يمكن أن يكون المقصود.”
سأل:
“من؟”
لكن قبل أن تجيب…
سمعوا صوتًا من أعلى الممر.
لقد وصل أحدهم إلى الباب السري.
صرخ الرجل:
“وجدونا!”
أخذت مريم الخريطة والمفتاح الأسود.
وقالت:
“علينا أن نتحرك الآن.”
خرجوا من الغرفة عبر ممر آخر، بينما بدأت أصوات الرجال تقترب.
ركضوا داخل نفق ضيق حتى خرجوا من فتحة خلف المنزل.
كان الليل قد اشتد.
وكانت سيارة سوداء تنتظر في مكان بعيد.
ركبوا جميعًا.
وانطلقت السيارة بسرعة.
ظل آدم ينظر إلى الدفتر الجلدي.
ثم فتح الصفحة الأولى.
وجد أسماء والديه ووالدي ليان.
لكن أسفل الأسماء الأربعة…
كان هناك اسم خامس.
نادر السيوفي.
وبجانبه كلمة واحدة:
“الخائن.”
رفع آدم رأسه.
“إذن نادر كان واحدًا منهم.”
قالت مريم:
“كان أقرب إلينا مما تتخيل.”
سألته ليان:
“وما الذي حدث له؟”
أجابت مريم:
“هذا ما سنعرفه عندما نصل.”
قال آدم:
“إلى وادي الحراس؟”
هزت رأسها.
“ليس بعد.”
ثم فتحت الخريطة.
وأشارت إلى نقطة صغيرة في منتصف الصحراء.
“هناك محطة قديمة.”
“سنترك السيارة قبلها.”
“ومن هناك سنكمل سيرًا.”
سأل آدم:
“ولماذا؟”
نظرت مريم إليه.
“لأن وادي الحراس ليس المكان الوحيد الذي يخفي الحقيقة.”
ثم أضافت:
“هناك مكان آخر لم يعرفه سوى والديكما.”
قالت ليان:
“أين؟”
أغلقت مريم الخريطة.
“قبر.”
نظر آدم إليها.
“قبر من؟”
لم تجبه مباشرة.
بل قالت:
“قبر الرجل الذي مات بدل والدك.”
تجمد آدم.
“ماذا؟”
قالت مريم:
“والدك لم يكن الرجل الذي قُتل في تلك الليلة.”
ثم نظرت إلى ليان.
“والدك أيضًا لم يختفِ بالطريقة التي أخبرتكما بها.”
ساد الصمت داخل السيارة.
ثم قالت مريم:
“هناك رجل ثالث مات في تلك الليلة.”
“والجميع اعتقد أنه والد آدم.”
- نظر آدم إليها غير مصدق.
“إذن… من مات فعلًا؟”
رفعت مريم عينيها إليه.
وقالت:
“هذا هو السر الذي دفنه والداكما قبل أن يختفيا.”
وفي تلك اللحظة…
ظهر ضوء سيارة خلفهم.
ثم اقتربت بسرعة.
نظر الرجل إلى المرآة.
قال:
“لدينا مشكلة.”
اقتربت السيارة أكثر.
ثم ظهرت ثلاث سيارات أخرى خلفها.
أمسكت ليان بيد آدم.
نظر إليها.
ثم نظر إلى الطريق أمامه.
وأدرك أن الرحلة إلى وادي الحراس…
لم تبدأ بعد.
انتظر الجزء القادم
![]()
