الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ظل الظلام يحيط بهم
لم يعد أحد يتكلم
كل واحد منهم كان يحمل في داخله صوتًا لم يسمعه الآخرون
عبد الرحمن سمع
(لا تثق في مصطفى)
والدكتور مصطفى سمع
(لا تثق في عبد الرحمن)
أما محمد وأحمد
فلم يسمعا شيئًا
لكن كليهما بدأ يشعر بأن هناك شيئًا تغير
شيئًا لم يكن موجودًا بينهم قبل دقائق
قال أحمد
“حد فيكم سمع حاجة”
لم يرد أحد
كرر سؤاله
“بسأل بجد”
قال محمد
“سمعت صوت”
نظر إليه أحمد
“قال إيه”
تردد محمد
ثم قال
“ما افتكرتش الكلام”
كان يكذب
لأنه لم يسمع صوتًا
لكنه شعر أن الإجابة الحقيقية لن تكون في صالحهم
اقترب أحمد منه
“إنت بتخبي حاجة”
رد محمد
“وأنت”
سكت أحمد
ثم قال
“أنا ما بخبيش”
ضحك محمد ضحكة قصيرة
“كلنا بقينا بنخبي”
—
اشتعلت شعلة صغيرة في نهاية الغرفة
ثم شعلة أخرى
ثم ثالثة
ظهر التابوت الحجري من جديد
لكن البردية التي كانت بداخله اختفت
قال عبد الرحمن
“البردية راحت”
اقترب محمد
“كانت هنا”
قال الدكتور
“حد أخدها”
نظر أحمد إلى الثلاثة
“مين”
لم يجب أحد
ثم بدأت الكتابة تظهر على جدار الغرفة
ببطء
حرفًا بعد حرف
قرأ محمد
“حين يبدأ الشك
يفقد الختم قوته
وحين يفقد الختم قوته
يستطيع الحارس الدخول”
قال الدكتور
“الحارس”
سأله عبد الرحمن
“مين الحارس”
رد
“الشخص اللي بيحمي العرش”
قال محمد
“بس الراجل اللي ظهر لنا قال إن الحارس مش شخص”
أجاب الدكتور
“يمكن يكون الاثنين”
قال أحمد
“يعني إيه”
نظر الدكتور إلى الجدار
“يمكن الحارس إنسان”
ثم أضاف
“ويمكن شيء آخر يسكن فيه”
ساد الصمت
ثم نظر الجميع إلى عبد الرحمن
قال أحمد
“إحنا كل مرة بنوصل لنفس النقطة”
عبد الرحمن لم يرد
كان يشعر أن شيئًا يتحرك داخل يده
رفعها
وجد العلامة الموجودة على كفه قد تغيرت
العين المفتوحة أصبحت مغلقة
ثم فتحت مرة أخرى
قال محمد
“الختم بيتغير”
أجاب الدكتور
“مش الختم”
ثم نظر إلى عبد الرحمن
“أنت اللي بتتغير”
—
تراجع عبد الرحمن
قال
“أنا مش حاسس بحاجة”
قال الدكتور
“لأن التغيير مش جسدي”
سأله
“أمال إيه”
أجاب
“في الذاكرة”
توقف عبد الرحمن
ثم قال
“أنا بدأت أفتكر”
قال أحمد
“تفتكر إيه”
نظر عبد الرحمن إلى الجدار
“المكان ده”
ثم أضاف
“أنا شفته قبل كده”
اقترب محمد
“إمتى”
قال
“مش فاكر”
ثم وضع يده على رأسه
“لكن كنت هنا”
قال الدكتور
“كنت صغير”
أجاب عبد الرحمن
“أيوه”
ثم نظر إليه
“بس إنت كنت معايا”
قال مصطفى
“أيوه”
“ليه”
صمت الدكتور
ثم قال
“علشان أحميك”
“من إيه”
لم يجب
قال عبد الرحمن
“من الملك”
رد الدكتور
“لأ”
ثم قال
“من اللي كان بيحاول يوصل لك”
—
بدأت الأرض تهتز مرة أخرى
تحرك التابوت الحجري
ثم انفتح تحته تجويف صغير
ظهر داخله صندوق خشبي قديم
اقترب محمد
قال
“ده مش من نفس الفترة”
رد الدكتور
“صحيح”
قال أحمد
“إزاي”
أجاب مصطفى
“الصندوق أحدث”
ثم نظر إليه
“حد حطه هنا بعد بناء المكان بسنين طويلة”
فتح محمد الصندوق
وجد بداخله دفترًا قديمًا
غلافه متآكل
وفي الصفحة الأولى اسم
مصطفى أبو الحمد
تجمد الدكتور
لم يتحرك
قال أحمد
“ده اسمك”
أجاب
“أيوه”
قال محمد
“الدفتر ده ليك”
اقترب الدكتور ببطء
أخذ الدفتر
فتح الصفحة الأولى
وجد تاريخًا قديمًا
ثم جملة مكتوبة بخط يده
“إذا وجدت هذا الدفتر فقد فشلت في إبقاء الباب مغلقًا”
رفع الدكتور رأسه
قال عبد الرحمن
“إنت كتبت ده”
قال
“أيوه”
سأله محمد
“إمتى”
أجاب
“قبل عشرين سنة”
قال أحمد
“بس إزاي الدفتر هنا”
لم يجب
قلب الدكتور الصفحة
وجد سطرًا آخر
“لا تثق في الرجل الذي سيأتي بعدي”
ثم سطر
“لأنه لن يأتي وحده”
نظر الدكتور إلى الثلاثة
قال محمد
“مين الرجل”
رد مصطفى
“ما كنتش أعرف وقتها”
ثم قلب الصفحة
فوجد اسمًا
فارس
—
قال أحمد
“فارس كان هو الرجل”
هز الدكتور رأسه
“مش هو”
قال محمد
“أمال مين”
قلب الصفحة
لكن الصفحات التالية كانت ممزقة
لم يتبقَ إلا جزء صغير
أمسكه محمد
كان عليه سطر واحد
“الرجل الذي سيأتي بعدي سيحمل وجه رجل مات قبل أن يولد”
رفع محمد عينيه
نظر إلى عبد الرحمن
ثم إلى الدكتور
قال
“ده عنه”
لم يرد الدكتور
قال عبد الرحمن
“أنا”
أجاب مصطفى
“مش بالضرورة”
قال أحمد
“بس كل العلامات بتقوده”
نظر الدكتور إلى أحمد
“وده اللي المكان عايزك تصدقه”
توقف أحمد
ثم قال
“يعني إحنا ممكن نكون بنشوف حاجات مش حقيقية”
رد الدكتور
“أيوه”
قال محمد
“يبقى مين نصدق”
لم يجب أحد
—
فجأة
ظهر الشاب الذي يشبه عبد الرحمن عند باب الغرفة
كان واقفًا دون حركة
قال
“ما تصدقوش حد”
نظر إليه الدكتور
“إنت”
قال الشاب
“أنا قلت لكم من البداية”
ثم نظر إلى عبد الرحمن
“هو مش المشكلة”
سأله أحمد
“أمال إيه”
قال
“المشكلة في اللي جواه”
تقدم عبد الرحمن
“إيه اللي جوايا”
أجاب الشاب
“ذاكرة”
قال
“ذاكرة الملك”
هز الشاب رأسه
“لأ”
ثم قال
“ذاكرة أول حارس”
تغير وجه الدكتور
قال
“مستحيل”
أجاب الشاب
“إنت كنت تعرف”
قال مصطفى
“كنت أعرف إن والد عبد الرحمن كان الحارس”
رد الشاب
“لكن ما كنتش تعرف إن الحارس بينتقل”
سأله محمد
“بينتقل لمين”
قال
“لأقرب شخص من دمه”
نظر الجميع إلى عبد الرحمن
قال أحمد
“يعني والده كان الحارس”
أجاب الشاب
“وأنت شايل أثره”
ثم أضاف
“وده السبب إن المكان عرفك”
—
قال الدكتور
“يبقى اللعنة مش بتطاردنا إحنا”
نظر إليه الشاب
“هي بتطارد اللي يحمل الختم”
ثم قال
“وأنتم واقفين بينه وبينها”
سأله محمد
“ليه”
أجاب
“لأن الختم لا يفتح وحده”
قال أحمد
“أمال محتاج إيه”
رد
“أربعة”
ثم نظر إلى كل واحد منهم
“العالِم”
“الباحث”
“الشاهد”
“والحامل”
قال الدكتور
“أنا العالِم”
قال محمد
“وأنا الباحث”
قال أحمد
“والشاهد”
نظروا إلى عبد الرحمن
لم يتكلم
قال الشاب
“أنت الحامل”
ثم أضاف
“لكن واحد من الأربعة ليس في مكانه الحقيقي”
سأل محمد
“مين”
لم يجب الشاب
بل أشار إلى الباب
وقال
“هتعرفوا”
ثم اختفى
—
خرج الأربعة من الغرفة
وجدوا ممرًا جديدًا أمامهم
لكن الممر كان مختلفًا
على جانبيه أربع بوابات
كل بوابة تحمل اسمًا
الأولى
العالِم
الثانية
الباحث
الثالثة
الشاهد
الرابعة
الحامل
قال أحمد
“كل واحد يدخل بوابة”
قال الدكتور
“واضح”
قال محمد
“وبعدين نتجمع”
لكن عبد الرحمن كان ينظر إلى البوابات
قال
“في حاجة غلط”
سأله أحمد
“إيه”
قال
“البوابات مش أربعة”
نظروا
كانت هناك بوابة خامسة في نهاية الممر
لم تكن تحمل اسمًا
فقط عينًا مغلقة
قال الدكتور
“دي مش لينا”
قال محمد
“أمال لمين”
اقترب عبد الرحمن
وفجأة فتحت العين الحجرية
وخرج صوت الملك
“للخائن”
تراجع الأربعة
قال أحمد
“يعني فيه واحد فينا هيدخلها”
لم يرد الدكتور
لكن البوابة الخامسة بدأت تتحرك
وبدأت تفتح ببطء
ثم خرج منها صوت نفس الضحكة التي سمعوها في الظلام
ضحكة هادئة
ثم جاء صوت الملك
“الخائن لا يُختار”
“الخائن يعرف نفسه”
ثم انطفأت جميع المشاعل
وفي الظلام
بدأت إحدى البوابات الأربع تُفتح وحدها
لكن لم يعرفوا أي واحدة
لأن صوت خطوات شخص واحد
كان يبتعد عنهم
داخل البوابة الخامسة.
انتظر الجزء القادم
![]()
