الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
عادت الإضاءة إلى القاعة فجأة.
لكن يوسف لم يكن موجودًا.
اختفى دون أن يترك خلفه أي أثر.
ظل الأربعة ينظرون إلى المكان الذي كان يقف فيه، بينما بقي سليم وحورس وكمال في أماكنهم.
كان آخر صوت لعاصم لا يزال يتردد في أذهانهم:
“فلا تثقوا في الشخص الذي سيخبركم بالحقيقة الأخيرة.”
قال آدم:
“إحنا مش هنثق في حد.”
نظر إلى سليم.
“ولا حتى فيك.”
أومأ سليم.
“وده الصح.”
قالت مريم:
“طيب يوسف اختفى إزاي؟”
أجاب حورس:
“لأن المكان ده مش مجرد غرفة.”
نظر إليه آدم.
“يعني إيه؟”
قال:
“يوسف يعرف الممرات التي لا يعرفها أحد.”
ثم أضاف:
“ولو خرج من هنا، فغالبًا سيحاول الوصول إلى المصدر قبلكم.”
قالت نور:
“المصدر.”
ثم وضعت يدها على رأسها.
“أنا بدأت أشوفه.”
اقترب منها آدم.
“تشوفي إيه؟”
قالت:
“مكان أبيض.”
“غرفة؟”
“لا.”
ثم أغمضت عينيها.
“كأنها مش موجودة في المكان أصلًا.”
قالت ليان:
“إزاي؟”
أجابت نور:
“شايفة أبي واقف قدامها.”
ثم فتحت عينيها.
“ومعه شخص آخر.”
سأل آدم:
“مين؟”
ترددت.
“ما شفتش وجهه.”
قالت مريم:
“هل كان يوسف؟”
هزت نور رأسها.
“لا.”
ثم قالت:
“كان طفلًا.”
تبادل الأربعة النظرات.
قال آدم:
“الطفل الأول؟”
أجاب حورس:
“ربما.”
لكن ليان رفعت رأسها فجأة.
“لا.”
نظر إليها الجميع.
قالت:
“مش طفل.”
“أمال إيه؟”
قالت:
“كان كبيرًا.”
ثم أمسكت برأسها.
بدأت الذكريات تتدفق داخلها بسرعة.
رأت غرفة.
رأت رجلًا يجلس أمام شاشة.
رأت ملفات كثيرة.
وفي وسطها أربعة أسماء.
نور.
آدم.
ليان.
مريم.
لكن أسفل الأسماء الأربعة كان هناك اسم خامس.
هذه المرة ظهر واضحًا.
“يوسف النجار.”
صرخت ليان:
“يوسف!”
قال آدم:
“إيه؟”
“اسمه موجود في الملف.”
اقترب منها.
“ملف إيه؟”
قالت:
“ملف المشروع.”
ثم بدأت تتذكر.
رأت يوسف شابًا.
كان يقف أمام رجل مسن.
والرجل المسن قال له:
“لو نجح المشروع، ستصبح الذاكرة قابلة للانتقال.”
سأله يوسف:
“والأطفال؟”
أجاب الرجل:
“هم المرحلة الأخيرة.”
ثم ظهرت صورة لرضيع.
كانت الصورة لنور.
شهقت ليان.
ثم ظهرت صورة آدم.
ثم صورتها.
ثم صورة مريم.
قال آدم:
“إحنا كانوا بيراقبونا من قبل ما نكبر.”
قال سليم:
“نعم.”
قالت مريم:
“وأنت كنت تعرف؟”
“نعم.”
“وسكت؟”
أجاب:
“لأنني لو أخبرتك، كانت المنظمة ستعرف أنك عرفت.”
قالت مريم:
“إنتوا لعبتوا بحياتي.”
أجاب سليم:
“لأني كنت أحاول أحميها.”
قالت:
“الحماية مش معناها الكذب.”
لم يرد.
—
فجأة…
صدر صوت معدني من أعلى القاعة.
ثم سقطت ورقة أمامهم.
رفعها آدم.
كانت تحمل خريطة.
قال:
“دي خريطة للمكان.”
اقتربت مريم.
“دي مش خريطة المعبد.”
قال حورس:
“لأنها خريطة للمنشأة القديمة.”
أشار آدم إلى نقطة حمراء في أسفلها.
“دي إيه؟”
قال حورس:
“المصدر.”
ثم أشار إلى نقطة أخرى.
“وده طريق الخروج.”
قالت ليان:
“وطريق المنظمة؟”
أشار إلى ممر جانبي.
“من هنا.”
قال آدم:
“يبقى لازم نتحرك.”
لكن كمال قال:
“استنى.”
نظروا إليه.
قال:
“الخريطة ناقصة.”
“ناقصها إيه؟”
أجاب:
“آخر جزء.”
ثم نظر إلى مريم.
“وهو موجود معك.”
فتشت مريم ملابسها.
أخرجت قطعة معدنية صغيرة كانت قد وجدتها في الصندوق القديم.
قالت:
“دي؟”
أومأ كمال.
“نعم.”
قال آدم:
“إنت كنت عارف إنها معانا؟”
قال:
“كنت أعرف أن عاصم سيتركها لك.”
وضعت مريم القطعة على الخريطة.
فجأة…
ظهرت خطوط جديدة.
اتصلت النقاط ببعضها.
ثم ظهر مكان واحد في نهاية الخريطة.
قالت نور:
“إيه المكان ده؟”
قرأت مريم الكتابة.
ثم تغير وجهها.
“المقبرة.”
قال آدم:
“مقبرة مين؟”
أجابت:
“مقبرة عاصم.”
تجمدت نور.
قالت:
“بس عاصم اتدفن من سنين.”
قالت مريم:
“عارفة.”
ثم نظرت إلى الخريطة.
“لكن واضح إن اللي اتدفن معاه…”
توقفت.
قال آدم:
“إيه؟”
أجابت:
“مش جثمانه فقط.”
—
انطلقت أصوات في الممر.
هذه المرة كانت قريبة جدًا.
قال حورس:
“وصلوا.”
قال آدم:
“المنظمة؟”
أجاب:
“نعم.”
قالت نور:
“إحنا نروح المقبرة.”
قال كمال:
“لو خرجنا من هنا، هنكون دخلنا في فخ.”
قال آدم:
“ولو فضلنا، هيقبضوا علينا.”
نظر حورس إلى الخريطة.
ثم قال:
“هناك طريق آخر.”
وأشار إلى ممر ضيق.
“هذا الطريق يقود إلى خارج المنشأة.”
سأله آدم:
“وبعدين؟”
قال:
“إلى مقبرة عاصم.”
قالت مريم:
“يبقى نروح.”
تحرك الأربعة.
لكن سليم ظل واقفًا.
قال آدم:
“إنت جاي؟”
أجاب:
“لا.”
قالت مريم:
“ليه؟”
نظر إليها.
“لأن دوري هنا انتهى.”
ثم قال:
“لو ذهبت معكم، سيعرفون أنني ما زلت حيًا.”
قال آدم:
“يمكن ده اللي إحنا محتاجينه.”
هز سليم رأسه.
“لا.”
ثم اقترب من نور.
وضع في يدها شيئًا صغيرًا.
كان خاتمًا قديمًا.
قال:
“أبوك أعطانيه قبل موته.”
نظرت إليه نور.
“ليه؟”
قال:
“قال لي: لو فشلنا جميعًا، أعطه لابنتي.”
سألته:
“وفيه إيه؟”
قال:
“لا أعرف.”
ثم نظر إليها.
“لكن عاصم قال لي إن الخاتم لن يعمل إلا عندما تصلين إلى قبره.”
تجمدت نور.
قال آدم:
“إنت متأكد؟”
أجاب:
“نعم.”
ثم بدأ سليم يبتعد.
نادته مريم:
“سليم.”
توقف.
قالت:
“هل كنت تحبني فعلًا؟”
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال:
“أكثر مما كان مسموحًا لي.”
ومشى.
—
خرج الأربعة من الممر السري.
كان الليل قد حل فوق الصحراء.
وبعيدًا عنهم كانت أضواء السيارات تتحرك.
قال آدم:
“المقبرة فين؟”
أجابت مريم:
“على بعد ساعات.”
قالت ليان:
“مش هنقدر نوصل قبلهم.”
ابتسمت نور.
كانت تنظر إلى الخاتم.
“يمكن عاصم كان عارف إن ده هيحصل.”
ثم وضعته في يدها.
وفجأة…
بدأ الخاتم يهتز.
ظهر عليه نفس الرمز الموجود في المومياء.
ثم ظهرت كتابة صغيرة جدًا.
قرأتها مريم.
وتغير وجهها.
قال آدم:
“مكتوب إيه؟”
رفعت عينيها إليهم.
وقالت:
“إذا وصلتِ إلى قبري… لا تبحثي عني.”
سكتت لحظة.
ثم قرأت السطر الثاني:
“ابحثي عمّن دفنني.”
نظر الأربعة إلى بعضهم.
لأنهم كانوا يعرفون شيئًا واحدًا الآن…
عاصم لم يكن مدفونًا وحده.
انتظر الجزء القادم
![]()
