الكاتبة منة الله محمد
في زمنٍ أصبحت فيه الصور تُلتقط أكثر مما تُرى الأرواح، تاه مفهوم الجمال بين عدسات الكاميرات، وفلاتر التطبيقات، ومعايير لم نضعها بأيدينا. لم
يعد الجمال إحساسًا يُلامس الروح، أو لحظة صدق
تُبهر القلب، بل صار رقماً من نسب التناسق، ومقارنة مرهقة لا تنتهي، ومرآة لا تعكس إلا الشكوك في الذات.
نحن لا نولد بكراهية ملامحنا، بل نُعلَّمها. نتلقّى
دروسًا غير مباشرة من الطفولة، من تعليقات الكبار، من بطلات الإعلانات، ومن نظرات الإعجاب التي
لا تُمنح إلا لصفاتٍ بعينها. فننشأ ونحن نحفظ – دون وعي – خريطة للجمال “المسموح به”، ونقارن أنفسنا بها مرارًا.
لماذا لا تبدو أنفي كأنفها؟ لماذا لا تلمع عيناي
بنفس البريق؟ لماذا لا يلتفت إليّ أحد؟
هذه الأسئلة التي تهمس بها النفس لذاتها، قد
تكون أشد قسوة من كل الانتقادات الظاهرة.
فالصورة الذهنية عن الجمال، والتي تُعاد صياغتها كل يوم عبر مواقع التواصل، أصبحت أكثر استبدادًا
من أي وقت مضى. صار علينا أن نشبه “الترند”
لنُحبّ أنفسنا، أن نُعدّل، نُخفي، ونُجمّل، حتى نصير جديرين بمجرد نظرة إعجاب.
ولكن، مهلاً…
من الذي قرّر أن الجمال في الأنف المستقيم؟
ومن الذي وضع للعيون مقاسًا، وللشفاه حجمًا،
وللون البشرة مراتب؟
أليس في الخجل جمال؟
أليس في العفوية، والندبة، والنمش، وتلك
الابتسامة المنكسرة، سحر لا يُشبه أحدًا؟
حين نُقيّد الجمال في قالب واحد، نقتل مئات الصور الجميلة الأخرى.
ننسى أن فتاة ببشرة داكنة وضحكة واسعة قد
تكون أكثر إشراقًا من آلاف الصور المنقّحة.
ننسى أن صوتًا دافئًا، وذكاءً ناعمًا، وحديثًا صادقًا، قد يجعل من ملامح عادية، وجهًا لا يُنسى.
الخطير أن هذه الصورة الذهنية لا تؤذي فقط، بل تُطفئ شيئًا داخلنا.
فكم من فتاة انسحبت من حلمها لأنها لا ترى نفسها “جميلة بما يكفي”!
وكم من شاب فقد ثقته بنفسه لأنه لا يُشبه “الصورة المثالية”!
بل إن بعضهم صار يعيش خارج جسده، كأن بينه وبين مرآته خصومة دائمة.
لقد حان الوقت لنُعيد صياغة المفهوم من جذوره.
أن نُربّي أطفالنا على أن الجمال متنوع، واسع، لا نهائي.
أن نُعلّمهم أن البشرة الحنطية، والسمراء، والزيتونية، كلها جميلة.
أن الجمال في الأصالة، وفي التعبير عن الذات، لا في التشابه مع صور معدّلة لا وجود لها في الحقيقة.
فالجمال الحقيقي لا تُحدده المقاييس، بل يُولَد من التفاصيل التي لا تُرى بالعين، بل تُحس بالقلب:
نبرة صوت تُشعرك بالأمان، ابتسامة تُشبه بيتًا قديمًا دافئًا، كلمة صادقة تُضيء يومك دون أن تلمسك.
فلا تدعي صور الآخرين تُطفئ نورك.
ولا تتركي مرآةً باردة تخبرك من أنتِ.
كل ما فيكِ يستحق أن يُرى، ويُقدَّر، ويُحَبّ، كما هو.
أنتِ جميلة، ليس لأنك تُشبهين أحدًا… بل لأنك لا تُشبهين سواكِ.
> “ربّما لم يخلقنا الله على نسقٍ واحد، لأنه أراد لكلٍّ منّا جمالًا يُشبهه وحده.”
![]()
