الكاتبة منال ربيعي
كانت تمشي كأنها خرجت من زمنٍ لم يُسجَّل في تقاويم البشر؛ زمنٍ لم يُخلق فيه الصخب، ولا الألقاب، ولا الحاجة إلى التبرير، بل كان النور هو اللغة، والصمت هو البيان. لا تنتمي إلى هذا العالم، لا في نظرتها، ولا في صوتها، ولا حتى في طريقة جلوسها. كلّ ما فيها يُشبه الهامش الذي لا يلتفت إليه أحد، لكنه يحمل المعنى كلّه.
في عينيها بريقٌ غامض، لا يُشبه الذكاء، ولا يُشبه الطيبة، بل يُشبه المعرفة التي سكنت قلبًا منذ ألف عمر، ولم تجد بعد ما يستحق أن تُقال فيه. كانت ترى ما لا يُقال، وتسمع ما لا يُنطق، وتفهم دون أن تنتظر توضيحًا. هي ليست حكيمة كما يظن الناس، بل أعمق من الحكمة. إنها التي تعرف، ثم تختار أن تسكت؛ لأنها تُدرك أن بعض الحقائق إذا خرجت، أحرقت، وأن بعض الكلمات إذا قيلت، فجّرت ما لم يُرد أن يُمسّ.
هي الشاهدة الصامتة على الزيف؛ التي ترى الابتسامة حين تكون قناعًا، وتسمع البكاء حين يكون مكرًا،
وتعرف من يُخفي البراءة خلف القسوة، ومن يُخفي الغدر في رقةٍ محسوبة.
ومع ذلك، لا تفضح، ولا تُعاتب، بل تمرّ بخفّة من يفهم أن كشف الحقيقة ليس دائمًا خلاصًا،
وأن السكوت في بعض المواضع هو أسمى درجات الرحمة.
حين تنظر إليك، لا تشعر أنها تُحلّلك أو تُراقبك، بل كأنها تُحبك رغم ما تعرف، كأنها تُسامحك قبل أن تُخطئ،
وتراك عاريًا من كلّ ما تحاول أن تكونه، ولا تهرب منك.
لا تُبشّرك بنبوءة، ولا تُلوّح بعصا، ولا تُعلّق الحكمة على كتفها كشعار، لكنها إذا مرّت بجانب وجعك، شفاك،
وإن جلست في غرفةٍ مليئة بالتعب، سكن الصخب من حولها.
هي لا تحتاج أن تشرح، لأن وجودها بحدّ ذاته يُشعر الآخرين بأنهم مرئيون دون أن يُكاشفوا، وأنهم مكشوفون دون أن يُدانوا.
ومع ذلك، لا أحد يجرؤ على سؤالها: “ماذا تعرفين؟” لأنها حين تصمت، يُصبح في الصمت عمقٌ يُخيف، ويُريح في آنٍ معًا.
حين تغيب، لا يشعر الناس بغيابها مباشرةً، لكنها تترك خلفها شيئًا لا يُسمى؛ ظلًّا من طمأنينة، وهدوءًا غير مبرّر، كأن المكان نفسه احتفظ برائحتها، أو أن الروح عرفت أنها مرّت من هنا.
هي ليست امرأة، بل مقامٌ كامل من الرؤية والرحمة. هي فصلٌ لم يُكتب، وصفحةٌ بيضاء سكنت بين سطور الكتب المقدسة.
هي الدليل الذي لا يُشاور، والمرآة التي لا تنكسر، والماء الذي يروي دون أن يُسكب.
هي التي تعرف… ولا تقول، لأن قولها ليس واجبًا، ولأن معرفتها هبة، لا سلاح.
![]()
