الصحفية: خديجة محمود عوض
في هذا الحوار نسلّط الضوء على تجربة الكاتبة ناعم زينب جيهان، باحثة ومؤلفة متخصصة في قضايا الطفولة المبكرة والتنشئة النفسية والتربوية. تناولت مؤلفاتها عدّة محاور تربوية معاصرة، وسعت من خلالها إلى الربط بين البعد الأكاديمي والواقع العملي. نسعى من خلال هذا اللقاء إلى التعرّف على مسارها العلمي والمهني، وفهم المنطلقات التي تحكم اختياراتها المعرفية، والأسس التي تقوم عليها رؤيتها في مجال الكتابة التربوية.
1. من تكونين حين تنزعين عنكِ لقب “الكاتبة”؟ ومن تكونين حين تنفردين بالقلم وحدكِ دون جمهور؟
-حين أنزع عني لقب “الكاتبة”، أعودُ إلى ذاتي الخام، إلى دjihane كما ولدت بها الحياة: فتاة تبحث عن المعنى لا الألقاب، تعيش بانفعال الأشياء الصغيرة، وتتهجّى العالم بعينيّ دهشة لا تزال تؤمن أن الكلمات قد تنقذ أحدهم. لست الكاتبة حينها، بل مجرّد إنسانة تنصت لأفكارها، تمسح على شعورها، وتحاور قلبها كأنّه طفل صغير يحتاج التفسير لا التصفيق.
أما حين أنفرد بالقلم دون جمهور، فأنا أكتب كما لو أنني أتنفّس للمرة الأولى. أكتب دون خوف من رأي، أو حساب لصدى. أكون صوتًا داخليًا خالصًا، لا يهمه أن يُسمع بقدر ما يهمه أن يقول الحقيقة، ولو كانت هشة. القلم حينها لا يكون وسيلة عرض، بل وسيلة نجاة. لا جمهور هناك، بل أنا والحرف، نسير على حبل رفيع بين البوح والصمت… وغالبًا، أنحاز للبوح.
2. متى كانت لحظة البداية؟ وما الحدث الذي دفعكِ إلى الإمساك بالقلم؟
-تعود لحظة البداية إلى المراحل المبكرة من تعليمي، أين تشكّلت لديّ ملامح التفاعل الأولي مع النصوص الأدبية والنصوص المدرسية على حد سواء. كنت دائمًا أنجذب إلى تحليل الخطاب المكتوب، والبحث عن المعاني المضمَرة خلف اللغة. ومن هذا الوعي المتنامي، بدأت أمارس الكتابة لا كفعل وجداني فحسب، بل كأداة تحليل وبناء فكري.
أما الحدث الذي دفعني إلى الإمساك بالقلم بشكل أكثر انتظامًا، فكان التحاقي بالجامعة، حيث انفتحت أمامي مساحات أكاديمية واسعة لفهم اللغة، وتوظيفها بشكل منهجي. أدركت حينها أن الكتابة ليست فقط وسيلة للتعبير، بل منهج معرفي يُمكّن الفرد من التفكير النقدي، ومن بناء موقف تربوي أو اجتماعي أو فلسفي، وهذا ما غذّى ميولي البحثية والتأليفية، ووجهني نحو تخصيص كتاباتي لقضايا الطفل والتنشئة، ثم إلى تأسيس رؤية تأليفية تُوازن بين البعد الأكاديمي والبعد الإنساني في الطرح.
3. كيف تصفين علاقتك بالنص؟ هل هو انعكاسٌ لما تعيشينه أم لما تتخيّلينه؟
-علاقتي بالنص علاقة تداخل وتكامل بين التجربة الذاتية والتخييل العلمي الواعي.
لا أكتب النصوص بوصفها مجرد تعبير عاطفي، بل أتعامل معها بوصفها كيانات معرفية، تولد من التفاعل بين الشعور والوعي، بين ما أعيشه وما أدرسه وما أستشرفه. فكل نص هو بنية تواصلية، تبني جسورًا بين ذاتي ككاتبة وقارئي كمتلقٍ، وبين الواقع بوصفه مادة خام، والخيال بوصفه أداة بناء رمزي.
أحيانًا أستلهم من التجربة، ولكنني لا أنقلها كما هي، بل أعيد تفكيكها وإعادة تركيبها وفق عدسة تربوية أو إنسانية أو فلسفية. وفي أحيان أخرى، يكون التخييل المنضبط بالمعرفة هو محرّكي، فأبتكر مواقف وحوارات لتقريب فكرة ذهنية أو فرضية تربوية إلى ذهن القارئ، خاصة عندما أكتب في أدب الطفل أو في التربية الإنسانية.
إذن فالنص بالنسبة لي ليس مجرد امتداد لما أعيشه، ولا محض ما أتخيّله، بل هو ساحة التقاء بين التجربة والفكرة، بين الداخل والخارج، وبين الذات والآخر.
4. هل تتقبلين النقد بسهولة؟ وما الحدّ الفاصل لديكِ بين النقد البنّاء والهدّام؟
-بالنسبة لي، النقد ضرورة حيوية لكل ممارسة أدبية أو فكرية، ولا أرى الكتابة فعلًا مكتملًا دون أن يُقابل بمرآة نقدية. أتقبله بروح الباحثة، لا بروح المدافعة، وأسعى دومًا لتفكيك أبعاده لفهم النوايا وراءه: هل يضيف لي؟ هل يسلط الضوء على زاوية أغفلتها؟ هل ينبع من فهم موضوعي أم من موقف شخصي؟
أما الحدّ الفاصل بين النقد البنّاء والهدّام، فهو يكمن في النية والمنهج؛ فالنقد البنّاء يحمل غاية تطويرية، يستند إلى قراءة عميقة للنص، ويُقدَّم بلغة احترام للفكر وللجهد. أما النقد الهدّام، فهو غالبًا ما يكون انطباعيًا، عدائيًا، يهاجم الشخص لا الفكرة، ويقوّض دون أن يقترح بديلًا. لذلك، أرحّب بالنقد الحقيقي، وأتجاهل ما عدا ذلك دون أن أسمح له بخلخلة قناعاتي أو مساري.
5. ما المشروع الأدبي الذي تحلمين بإنجازه ولم يحن أوانه بعد؟
-أحلم بإنجاز مشروع أدبي مختلف، ليس مجرد كتاب، بل رحلة شعورية فلسفية مكتوبة، تمتزج فيها اللغة بالشعور، والفكر بالتأمل، والنص بالذات. مشروع يُشبه مرآة داخلية للقارئ، لا يقرأه فقط بل يُقرأ من خلاله.. أراه أشبه بـ”سِفر وجودي” يحمل عنوانًا عميقًا، وربما مجرد همسة أو نبض، يتناول قضايا الحياة، الموت، الخلود، الذاكرة، المعنى، والغياب… لكن بلغة شاعرية، لا تُحدّدها القوالب المعتادة. حلمي أن يكون الكتاب صادقًا حدّ الخدش، وأن يلامس القارئ في نقطة صامتة بداخله لم يسبق أن وصلها أحد.
لم يحن أوانه بعد، لأن هذا النوع من المشاريع يحتاج إلى نضج شعوري خاص، وهدوء داخلي، وتجارب لا تُختصر… لكنني أحتضنه بداخلي كجنين لغوي ينتظر زمن ولادته.

6. ما الرسالة التي تودين إيصالها لكل فتاة تملك الحرف لكنها تخشى أن تبوح به؟
-رسالتي لكل فتاة تملك الحرف وتخشى البوح به: اكتبي، ولو بصوتٍ مرتجف.
الحرف ليس مجرد كلمات، بل نافذة روحك على العالم.
لا تخافي من ألا تكوني “جاهزة”، فالكتابة لا تنتظر الكمال، بل تنتظر الصدق.
ليس مطلوبًا منك أن تبهري، فقط أن تكوني حقيقية… والباقي سيأتي تباعًا.
تذكّري: كم من نبضٍ خنقناه خوفًا، صار بعد حين وجعًا مزمنًا… فلا تَدفني صوتك لأنك تخشين الصدى. قولي كلمتك، اكتبيها، حتى لو لم يفهمها أحد الآن. سيأتي وقت تُقرأ فيه بعين تُشبهك، وقلب يبحث عنك دون أن يعرفك. أنتِ لا تحتاجين إذنًا لتكوني، فقط شجاعة أن تكوني.
7. لو سُلب منكِ القلم، هل تظلّين الكاتبة؟ أم أن الكتابة عندكِ فعلٌ لا يُفصل عن الهوية؟
-لو سُلب مني القلم، فإن الكاتبة في داخلي لن تُسلب.
ذلك أن الكتابة، في نظري، ليست مجرّد أداة تقنية أو وسيلة تعبير فحسب، بل هي امتداد لهويتي وعمق كياني. إنها فعل وجود يسبق الوسائط ويتجاوزها؛ إذ ترتبط الكتابة عندي بتشكيل المعنى وإعادة إنتاج الوعي، لا بمجرد استخدام الورق والحبر. فالكاتب الحقيقي لا يُعرَّف بالأدوات، بل بالقدرة على إدراك العالم وإعادة صياغته بلغة تنبع من داخله. الكتابة ممارسة فكرية وشعورية تتجلى في القول والسلوك والتفاعل مع الواقع، وبالتالي، فإن انقطاع الأداة لا يعني انقطاع الفعل. من هذا المنطلق، أؤمن أن الكاتبة تظل كاتبة حتى في غياب القلم، لأنها تحمل في ذاتها بذور الإبداع، وتملك وعياً لغويًا ومعرفيًا يجعل منها ذاتًا منتجة للمعنى في كل الظروف.
8. لو كُتِبَ لنصٍّ من نصوصكِ أن يُخلَّد، فأيّ نصّ تختارين؟ ولماذا؟
-رغم أنني أؤمن بأن لكلّ نصٍّ زمنه وفرادته التعبيرية التي تجعله صالحًا لتمثيل مرحلة من النضج أو التحوّل في تجربتي الأدبية، فإنني أتحفّظ عن اختيار نصّ بعينه ليُخلَّد، لأنني أعمل حاليًا على مشروع كتابي لم يُعلَن عنه بعد، وأشعر أنه سيكون بمثابة لبّ تجربتي الفكرية والوجدانية. هو نصّ يتجاوز حدود الحرف ليعبّر عن جوهر الإنسان في صراعه مع المعنى، ومع الزمن، ومع الفناء. وربّما يكون هذا النص هو الأقرب لخلودٍ ما، لا بحضوره الفيزيائي، بل بما يُثيره من أسئلة لا تموت.
9. وأخيرًا، إن سُمح لقلبك أن يهمس لقارئك برسالةٍ واحدة، لا تنشرها الصحف ولا تدوّنها الكتب، فماذا يقول؟
-سيهمس قلبي بهدوء: “ابقَ صادقًا مع ذلك الصوت الخافت داخلك، ذاك الذي لا يُجيد الصراخ، لكنه يعرف طريقك أكثر من ضجيج العالم كلّه. لا تتعجّل الوصول، فالأثر أعمق من المسار، والمعنى أسبق من المنبر. عش بشغفٍ لا يراهن على التصفيق، بل على يقظة الشعور حين يخفت كلّ شيء سواه.”
10. كيف ترين نفسك الآن بعد هذا الحوار؟ وهل شعرتِ أن الأسئلة كشفت جانبًا مختلفًا عنكِ لم تتحدثي عنه من قبل؟
-أعتقد أن هذا الحوار أتاح لي فرصة للتأمل في بعض الجوانب التي قد لا تظهر كثيرًا في السياقات اليومية أو العملية. لقد سلّط الضوء على أبعاد فكرية وشخصية ربما لم تُطرح من قبل بشكل مباشر، مما سمح بإعادة قراءة بعض المحطات من زوايا جديدة. لم أجد في الأسئلة مجرّد دعوة للإجابة، بل فرصة لفهم أعمق للذات ولتجربتي الكتابية في ضوء تفاعلي مع الآخر.
—
حين تنتهي الكلمات، يبقى الأثر. وكلمات الكاتبة: “جيهان ناعم” لم تكن مجرّد حروف عابرة، بل كانت بصمات في ذاكرة القرّاء. نُودّعها ونحن نعلم أن القادم منها سيكون أعمق، أصدق، وربما أشد وقعًا… فهي لا تكتب لتُقال فحسب، بل لتُحسّ، وتُحدث في القلب رجفة لا تُنسى.
مجلة: الرجـوة الأدبيَّة
![]()
