الكاتبه شيماء مجراب
في تلك اللحظة التي طُرق فيها الباب، ولجت إلى الداخل امرأة تبدو في العقد الخامس من عمرها، ترتدي ملابس كلاسيكية مرتبة، وقد زيّنت شعرها الأشقر بدبلة حمراء أثارت فضولي. أشار إليها الخادم: «هنا طاولتك يا سيدتي، كانت الشابة تنتظرك منذ ساعة». نظرتُ إليها نظرة ملأها الشوق والفضول معًا، زعزعت كياني عندما ابتسمت؛ إنّها تشبهني حين أبتسم. حيّتني تحيّة صغيرة وجلست إلى الطاولة التي أجلس بقربها. لقد كنّا طوال خمس دقائق صامتين ودون أي حراك، وفي مبادرة منها لكسر الصمت الأليم، تفوّهت بكلمة لم أدرك معناها قبل اليوم، ومنذ عشرين عامًا لم ألفظها، ذلك أنّ الطفل الصغير ينطقها في أوّل يوم له بعد أن كبرت أسنانه، أمّا أنا فشاء قدري أن أنطقها بعد أن شبت في الحياة وأنهكتني، وبعد أن فقدت معناها وتعبت منها. لاحظت شرودي فخشيت أن أنظر في عينيها فتلاحظ الدموع تنسلّ تدريجيًا من عينَيّ. وجدتها تمسح على رأسي فشعرت بالحنان ولأوّل مرة، بعد أن صفعتني الحياة وتعودت على ضرباتها، فلم أتحمّل كلّ ذلك الحنان ونفضت يديّ عنها، فابتعدت عنّي وجلست بجواري تنظر إليّ نظرات ذات مغزى لم أفهمها، لكنها تبدو نظرة بؤس ويأس وحزن. أترين شقائي وتعبي؟ أترين آلامي؟
بعد دقائق جفّت الدموع عن عينَيّ وتوقّفت عن النحيب ونظرت في عينيها البندقيتين فوجدتها تفكّر ثم قالت:
«ابنتي أنا فعلًا أمّك، صحيح تركتك في الميتم ولكن كانت ظروفي قاهرة أجبرتني على ذلك».
«ما الذي تريدينه مني الآن بعد تلك السنوات؟»
«أنا والدتك، أحبك ريما، أنتِ حياتي».
لو أحببتِني بهذا القدر لما تركتِني في هذه الحياة وحيدة، الشتاء والبرد وأنا أتدحر جوعًا، وانسلت الدموع من عينيها.
«تعالي يا ابنتي».
ارتمت في حضنها كالطفلة الصغيرة التي تريد والدتها بقربها.
بعد ذلك خرجت مسرعة من المطعم، والشتاء يهطل وهي تركض بسرعة.
أمّي، تمنّيت لو كبرت معك بجانبك، لكنك فضّلتِ الثراء عنّي، وما فائدة لقائنا اليوم إذا كنتُ أنا قد تعوّدت على غيابك؟ كان لي قصة مختلفة وقدر محطّم، لم أجد الحنان في حياتي، وبعد أن وجدته تركته خلفي ومضيت بعيدًا. غريبة هي الحياة.
![]()
