...

ميراث ظل

يناير 21, 2026
C53377e074b7bbac032130a77de1f48b

بقلم / د.فتحى عبدالحميد .

 

في ردهة القصر العتيق، حيث كانت الجدران تلتحف برائحة البخور والغياب، رمت الشمس آخر شظايا خيوط دفئها عبر النوافذ الموشاة، كأنها تلقي نظرتها الأخيرة قبل أن تتوارى فى الخفاء .

لم يعد البيت مأوى . بل منصة نزاع . قلوب جفت بلا داع . فمنذ أن ارتقى الأب سلم السماء الأخير، تحولت رابطة الدم إلى أوراق تُستدعى للإتهام أكثر مما تستدعى للصلة والوئام .

جلست نورا وفارس وسالم ثلاثة إخوة يجمعهم اسم السيد سعيد، ويفرقهم قلب مزقه الطمع بلا وعيد. لكل منهم صمت يشبه سكينا، ولكل منهم عين تنأى عن الأخرى خشية إنعكاس ما فيها.

كانت نورا الأكثر حناناً ، تحاول ردم الهوة بنظرات واهنة.

وكان سالم أكثرهم حباً للأب، محاصراً بين حنين موجع وميراث ثقيل.

أما فارس، فكان صمته صلابة تُخفي قلقاً لا يجرؤ على الاعتراف به.

وبينهم جميعاً ، كان الصمت حاجزاً لا مهادنة فيه، كأنه برزخ جاف يفصل قلوباً كان يجمعها حضن واحد.

حين أوشكت الظلال على ابتلاع الزاوية المهجورة من الردهة، بدا شيء يتحرك في الفضاء الساكن… ظل يتكور ثم يتمدد فوق الرخام البارد.

لم يكن ظلاً لأحدهم.

كان أكبر من قامتهم، وأثقل من حضورهم، كأنه قطعة مقتطعة من ليل قديم جاءت لتشهد.

تقدم الظل بلا مصدر، يسحب الضوء من حوله كأنه يمتص الذاكرة . ولم يكن له جسد معبر ، لكنه كان يتحرك بقصد. يقترب منهم ببطء، فيما تسري رائحة التبغ القديم الممزوج بالقهوة المرة—الرائحة التي لم تفارق عباءة الأب يوماً، فتتغلغل في صدورهم آنين كجرح يعرفهم وحنين يعود ليوقظ ما حاولوا نسيانه.

اهتز الجو فجأة . وتوقفت عقارب الساعة الجدارية كأن الزمن نفسه مال بإجلال لتلك اللحظة السرمدية .

لم تعد الغرفة هي الغرفة . صارت شاشة مفتوحة على اللحظة الأخيرة للأب وهو يضمهم جميعاً، يوم كان القلب واحداً واليد واحدة.

تكاثف الظل، وتحول إلى كتلة واعية، ثم صدر صوت… ليس جهيراً ولا همساً، بل رنيناً يخترق السمع ويتغلغل في الوعي.

كان الصوت يشبه الأب… لا في نبرته فقط، بل في وجعه:

” يا أبنائي… يا من كنتم فلذات فؤاد صار تراباً. هل نسيتم أن أغلى ما تركته لكم… ليس ما يُعد ويُقسم، بل ما يشدد بعضكم إلى بعض؟

المال زائل. الذهب ذاهب.

أما ما أردته لكم فكان وفاءً يُبقيكم ظهراً لبعضكم في السراء والضراء.

ظلي هذا هو بركتي التي فرطتم فيها… وحقي الذي غفلتم عنه.

يا للخسارة حين تباع الأخوة بنقود فانية . جئت لأُذكركم بالآخرة.

ثم انفرط الظل فجأة وأنكفأت ظلاله مسرعة ، كأن نوراً خفياً لومضة من حقيقة مؤجلة ، يتلاشى بسرعة كلمح البرق ، فوق أفق قد خفق .

لكن الصوت لم يرحل.

تحول إلى جمرة تستقر في الصدور، إلى ندم يوجع فى الثغور.

نظر سالم إلى نورا، ونورا إلى فارس.

كانت العيون قد اغتسلت من غشاوة الطمع، وظهرت فيها ملامح كانت غائبة… ملامح إخوة فقدوا أكثر مما ظنوا.

وتردد سؤال خافت، كأنه رجع لصوت الظل قبل أن يتلاشى:

هل يمكن لجسر الأخوة المتصدع أن يُبنى من جديد ؟

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *