الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يتحرك آدم.
كان ينظر إلى الرجل الواقف أمامه، ثم إلى الشاب الذي يقف بجانبه.
الشاب يشبهه بصورة أربكته.
نفس نظرة العينين تقريبًا.
نفس ملامح الوجه.
لكن شيئًا في عينيه كان مختلفًا.
شيء بارد.
شيء عاش سنوات طويلة وهو يعرف أسرارًا لم يعرفها آدم طوال حياته.
قال آدم:
“إنت قلت إنك ابن سليم.”
أجاب الرجل:
“نعم.”
ثم أشار إلى الشاب.
“وهو أخوك.”
تدخلت مريم بسرعة:
“لا.”
نظر إليها الرجل.
“أنتِ تعرفين أن هذا صحيح.”
قالت مريم:
“أعرف أن سليم كان له ابن.”
صمت الرجل.
ثم ابتسم.
“إذن أخيرًا اعترفتِ.”
قال آدم:
“مريم، مين ده؟”
نظرت إليه.
“اسمه فارس.”
تغير وجه آدم.
“فارس؟”
قال الرجل:
“ليس فارس الذي تعرفه.”
ثم أضاف:
“أنا فارس ابن سليم.”
سأل آدم:
“وفارس اللي رباني؟”
أجاب:
“كان عمي.”
تجمد آدم.
“عمي؟”
أومأ.
“أخو أبي.”
ثم قال:
“والرجل الذي ربّاك لم يكن يعرف كل الحقيقة.”
نظر آدم إلى مريم.
“يعني حتى فارس كان مضحوك عليه؟”
قال فارس:
“كان يعرف أنك ابن سليم.”
ثم سكت.
“لكنه لم يعرف أنك تحمل الذاكرة.”
اقترب آدم.
“وإنت عرفت من إمتى؟”
قال فارس:
“منذ الليلة التي اختفى فيها أبي.”
ثم نظر إلى الخاتم.
“ومنذ تلك الليلة، وأنا أبحث عنك.”
قالت ليان:
“ليه؟”
نظر إليها.
“لأن أبي ترك لي مهمة.”
“إيه هي؟”
“أحميك أنتِ وآدم.”
سأل آدم:
“من مين؟”
فارس لم يجب.
لأن صوتًا هائلًا دوّى في المكان.
اهتز المنزل.
ثم سقط جزء من السقف.
صرخت ليان.
أمسكت مريم بيدها.
قال فارس:
“المنظمة وصلت.”
قال آدم:
“إحنا لازم نخرج.”
لكن فارس هز رأسه.
“لن نستطيع.”
“ليه؟”
أشار إلى الباب.
كانت أصوات الرجال تقترب.
ثم سمعوا صوت ياسر من الخارج:
“اهربوا من الممر الخلفي!”
ركض آدم نحو الصوت.
فتح الباب.
كان ياسر واقفًا في نهاية الممر.
وفي اللحظة نفسها…
انطلقت رصاصة.
سقط ياسر.
صرخت مريم:
“ياسر!”
ركضت نحوه.
لكن ياسر أشار إليها بيده.
“لا.”
ثم نظر إلى آدم.
“خدهم… وامشوا.”
اقترب آدم.
“ياسر!”
ابتسم الرجل بصعوبة.
“أنا… وعدت والدك.”
ثم أغمض عينيه.
توقفت مريم للحظة.
ثم نهضت.
كانت الدموع في عينيها.
لكنها لم تسمح لنفسها بالتوقف.
قالت:
“لازم نتحرك.”
ركضوا.
كان يونس يحاول الوقوف في الممر الآخر.
وصل إليه آدم.
“يونس!”
رفع يونس رأسه.
“خذ ليان.”
“إحنا هنطلعك.”
هز يونس رأسه.
“لا.”
ثم نظر إلى فارس.
“هو لازم يخرج معاكم.”
قال فارس:
“وأنت؟”
ابتسم يونس.
“أنا عارف إني مش هخرج.”
توقفت ليان.
“يونس…”
قال لها:
“كملي.”
ثم أغلق الباب خلفهم.
قال آدم:
“يونس!”
ضرب الباب بيده.
لكن أصوات الانفجارات بدأت تتلاحق.
قال فارس:
“لو وقفت هنا، هيموتوا كلهم من غير ما نعرف ليه.”
سحب آدم بعيدًا.
خرجوا من الممر.
وكان نادر واقفًا عند آخر السلم.
حاول إطلاق النار على الرجال الذين يقتربون.
صرخ:
“خد بنتي يا آدم!”
ثم نظر إلى ليان.
“ومتخافيش.”
صرخت:
“بابا!”
ابتسم لها.
“أنا ما متش زمان…”
توقف.
“لأني كنت مستني اللحظة دي.”
ثم أغلق الباب.
وانفجر المكان خلفه.
توقفت ليان.
كانت تريد العودة.
لكن مريم أمسكت بها.
“لا.”
قالت ليان وهي تبكي:
“ده أبويا.”
قالت مريم:
“وعشان كده لازم نحترم آخر حاجة طلبها منك.”
خرجوا من المنزل.
وخلفهم…
بدأت النيران تلتهم المكان.
كان آدم ينظر إلى البيت.
ثم إلى مريم.
ثم إلى فارس.
لم يبقَ معهم إلا أربعة.
آدم.
ليان.
مريم.
وفارس.
قال آدم:
“كلهم ماتوا.”
خفض فارس رأسه.
“نعم.”
قالت ليان:
“يونس…”
لم يجب فارس.
قالت:
“هو مات؟”
أجاب:
“لا أعرف.”
ثم نظر إلى المنزل المحترق.
“لكن لو كان هناك شخص يستطيع النجاة من هذا المكان…”
توقف.
“فهو يونس.”
قال آدم:
“إذن هنرجع له.”
قال فارس:
“لا.”
“ليه؟”
“لأن المنظمة تريدكم أن تعودوا.”
ثم أخرج خريطة صغيرة.
فتحها أمامهم.
كان عليها طريق واحد فقط.
قال:
“من هنا هنروح إلى المكان الذي أخفى فيه أبي الحقيقة.”
سأل آدم:
“فين؟”
أشار إلى منطقة بعيدة عن المدينة.
“إلى محطة النور القديمة.”
تغير وجه مريم.
“مستحيل.”
نظر إليها فارس.
“أنتِ تعرفين المكان؟”
قالت:
“سليم أخبرني عنه.”
“إذن تعرفين ماذا يوجد هناك.”
صمتت.
قال آدم:
“مريم.”
نظرت إليه.
“هناك…”
ترددت.
“كان سليم يحتفظ بشيء لا يستطيع أحد الوصول إليه.”
سأل آدم:
“إيه؟”
أجاب فارس:
“الحقيقة التي لم يتركها في دار الذاكرة.”
ثم نظر إلى آدم.
“أبي ترك هناك ملفًا يحمل اسمك.”
تجمد آدم.
“ملف باسمي؟”
“نعم.”
“وماذا فيه؟”
قال فارس:
“كل شيء.”
“عن أمي؟”
“نعم.”
“عن أبي؟”
“نعم.”
“عن صاحب النبض؟”
صمت فارس.
ثم قال:
“أكثر من ذلك.”
سألته ليان:
“إيه؟”
نظر إليها.
“الحقيقة عن سبب اختياركم أنتم الثلاثة.”
قال آدم:
“إحنا الأربعة.”
هز فارس رأسه.
“لا.”
ثم نظر إلى ليان.
“أنتم الثلاثة.”
“أنا…”
وأشار إلى آدم.
“وأنت.”
ثم قال:
“ويونس.”
تغير وجه ليان.
“إذن فارس مش واحد من الحراس؟”
أجاب:
“لا.”
“إنت مين؟”
قال:
“أنا الشخص الذي كان سليم يخفيه عن صاحب النبض.”
ثم نظر إلى آدم.
“لأنني أحمل الشيء الوحيد الذي يمكنه تدمير نبض القدر.”
ساد الصمت.
قال آدم:
“إيه هو؟”
ابتسم فارس.
“ذاكرتي.”
ثم تحركوا نحو الطريق.
لكن قبل أن يغادروا المكان…
توقفت مريم.
نظرت إلى المنزل المحترق.
ثم قالت:
“سليم لم يكن يريد أن نذهب إلى محطة النور.”
التفت إليها فارس.
“ماذا؟”
قالت:
“هو كان يريد أن نذهب إلى مكان آخر.”
سأل آدم:
“فين؟”
أخرجت مريم ورقة قديمة من ملابسها.
فتحتها.
وكان عليها عنوان واحد.
قرأه آدم.
ثم رفع عينيه.
“ده مش عنوان محطة.”
قالت مريم:
“أعرف.”
“إذن إيه ده؟”
نظرت إليه.
وقالت:
“ده عنوان المكان الذي وُلد فيه والدك.”
ثم ظهر في أسفل الورقة شيء لم يره أحد من قبل.
تاريخ.
اليوم نفسه الذي وُلد فيه آدم.
وتحت التاريخ جملة بخط سليم:
“إذا وصل ابني إلى هنا، فليعرف أنني لم أختفِ لحمايته…”
توقف آدم عن القراءة.
كانت بقية الجملة مطوية داخل الورقة.
فتحها.
قرأ السطر الأخير.
وتغير وجهه تمامًا:
“اختفيت لأن الشخص الذي يطارده… كان يعرفني أكثر مما يعرف نفسه.”
رفع آدم رأسه.
وفي مكان بعيد…
وسط بقايا المنزل المحترق…
ظهر ضوء صغير من نافذة الطابق السفلي.
ثم ظهر ظل شخص يقف بداخله.
وكان يحمل القطعة الرابعة التي كانت مع يونس.
انتظر الجزء القادم
![]()
