...
IMG 20260903 WA0006

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

“الأب لم يكن إنسانًا.”

 

ظلت الجملة معلقة في المكان.

 

لم يفهم آدم معناها.

 

ولا ليان.

 

ولا حتى ياسر الذي ظل ينظر إلى مريم وكأنه كان يخشى هذه اللحظة منذ سنوات.

 

قال آدم:

 

“مريم… إيه معنى الكلام ده؟”

 

لم تجب.

 

اقترب الرجل الذي أنقذهم من الباب.

 

وقال:

 

“الحقيقة اتأخرت كثير.”

 

ثم نظر إلى آدم.

 

“لكن حان وقت تعرف من أنت.”

 

قال آدم:

 

“أنا عارف أنا مين.”

 

هز الرجل رأسه.

 

“أنت تعرف اسمك فقط.”

 

ثم أشار إلى الخاتم الموجود في يده.

 

“أما أصلك… فلا تعرف عنه شيئًا.”

 

سكت لحظة.

 

“والرجل الذي ولدك لم يكن مثل باقي الرجال.”

 

تقدم آدم.

 

“مين هو؟”

 

قال:

 

“اسمه كان سليم.”

 

تجمدت مريم.

 

أما ياسر فأخفض رأسه.

 

قال آدم:

 

“سليم مين؟”

 

أجاب الرجل:

 

“سليم النجار.”

 

ثم أضاف:

 

“كان عالمًا في دراسة الحضارات القديمة، وكان من القلائل الذين استطاعوا فهم ما أطلق عليه المصريون القدماء…”

 

نظر إلى الخاتم.

 

“…نبض القدر.”

 

قال آدم:

 

“هو أبويا الحقيقي؟”

 

أومأ.

 

“نعم.”

 

“وأمي؟”

 

صمت الرجل.

 

ثم نظر إلى مريم.

 

قالت مريم:

 

“أنا.”

 

تجمد آدم.

 

لم يتكلم.

 

اقتربت مريم من الزجاج.

 

“أنا أمك يا آدم.”

 

كان وجهها مليئًا بالدموع.

 

“ولم أتركك بإرادتي.”

 

قال آدم:

 

“إذن ليه؟”

 

أجابته:

 

“لأنني كنت أعرف أنهم سيقتلونك.”

 

“مين؟”

 

“المنظمة.”

 

ثم قالت:

 

“وسليم كان يعرف شيئًا أخطر.”

 

“إيه؟”

 

قالت:

 

“أنك وُلدت وأنت تحمل شيئًا لم يكن موجودًا في أي طفل قبلك.”

 

اقترب يونس.

 

“الذاكرة.”

 

أومأت مريم.

 

“الذاكرة الكاملة للحارس الأول.”

 

قال آدم:

 

“يعني أنا اتولدت بالسر؟”

 

“نعم.”

 

ثم أضافت:

 

“وعندما عرف سليم ذلك، قرر أن يختفي.”

 

سأل آدم:

 

“اختفى بعد ولادتي ليه؟”

 

قالت:

 

“لأنه عرف أن المنظمة لن تبحث عنه.”

 

“كانت ستبحث عنك.”

 

تغير وجه آدم.

 

“فقرر أن يجعل الجميع يعتقد أنه مات.”

 

أومأت.

 

“تركك عند الرجل الذي ربّاك.”

 

قال آدم:

 

“مين؟”

 

قالت:

 

“كان صديقه.”

 

“واسمه الحقيقي؟”

 

أجاب الرجل:

 

“فارس.”

 

توقف آدم.

 

تذكر الاسم.

 

كان اسم الرجل الذي عاش معه سنوات طويلة.

 

الرجل الذي كان يظنه والده.

 

قال آدم:

 

“فارس كان يعرف؟”

 

قالت مريم:

 

“كان يعرف أنك ابني.”

 

“وكان يعرف أن سليم أبويا الحقيقي؟”

 

“نعم.”

 

“وليه ما قالليش؟”

 

قالت:

 

“لأن سليم طلب منه ذلك.”

 

ثم ظهرت على وجهها علامات الألم.

 

“كان شرطه الوحيد أن يظل آدم بعيدًا عن الحقيقة حتى يبلغ الوقت المناسب.”

 

قال آدم:

 

“وسليم؟”

 

صمت الجميع.

 

قال آدم:

 

“فين أبويا؟”

 

أجاب الرجل:

 

“اختفى داخل دار الذاكرة.”

 

“يعني مات؟”

 

قال:

 

“لا.”

 

ثم أضاف:

 

“لكنه لم يعد قادرًا على العودة.”

 

قال آدم:

 

“ليه؟”

 

أجابه:

 

“لأنه عندما دخل دار الذاكرة، استخدم جسده كوسيلة لحفظ الجزء الأخير من المعرفة.”

 

ثم قال:

 

“ومنذ ذلك اليوم، أصبح وجوده مرتبطًا بالمكان.”

 

نظر آدم إلى مريم.

 

“يعني أبويا عايش؟”

 

قالت:

 

“بطريقة لا تشبه الحياة التي نعرفها.”

 

سكت آدم طويلًا.

 

ثم سأل:

 

“وإنتِ؟”

 

رفعت مريم عينيها.

 

“أنا عشت.”

 

“ليه؟”

 

“لأن سليم أراد أن يختفي وحده.”

 

ثم قالت:

 

“كان يعرف أن وجودي معك سيجعلهم يصلون إليك.”

 

اقترب آدم منها.

 

“إنتِ كنتِ بتراقبيني كل السنين دي؟”

 

“نعم.”

 

“وكنتِ بتشوفي حياتي؟”

 

“كل يوم.”

 

“لكن ما قربتيش.”

 

بدأ صوتها يرتجف.

 

“لأنني لو اقتربت… كانوا سيعرفون أنك ابني.”

 

ساد الصمت.

 

ثم التفت آدم إلى ليان.

 

كانت تقف وحدها.

 

قال:

 

“دلوقتي دورك.”

 

نظرت ليان إلى الرجل الذي يقف أمامها.

 

كان والدها.

 

أو الرجل الذي ظلت تظنه والدها.

 

قالت:

 

“مين أبويا الحقيقي؟”

 

أجابها:

 

“اسمه عادل السيوفي.”

 

قالت:

 

“وأنت مين؟”

 

رد:

 

“اسمي الحقيقي نادر.”

 

تجمدت ليان.

 

“يعني الاسم اللي عشت بيه…”

 

“كان اسمًا مستعارًا.”

 

“وأنت اللي ربيتني؟”

 

أومأ.

 

“نعم.”

 

“وليه قلتوا لي إنك مت؟”

 

خفض رأسه.

 

“لأن المنظمة كانت تراقبك.”

 

ثم قال:

 

“كان لازم أختفي.”

 

“بس أنا كنت طفلة!”

 

“أعرف.”

 

“كبرت وأنا فاكرة إن أبويا مات!”

 

بدأت الدموع تنزل من عينيها.

 

“وأنت كنت عايش؟”

 

قال:

 

“كنت أراقبك من بعيد.”

 

“ليه ما رجعتش؟”

 

أجاب:

 

“لأن عادل كان مطلوبًا.”

 

توقفت.

 

“إيه علاقة عادل بالموضوع؟”

 

قال:

 

“كان واحدًا من العلماء الذين اكتشفوا الحقيقة.”

 

ثم أضاف:

 

“وكان هو والدك الحقيقي.”

 

قالت ليان:

 

“وأمي؟”

 

ساد الصمت.

 

قالت مريم:

 

“سلمى.”

 

اقتربت ليان منها.

 

“احكي.”

 

قالت:

 

“سلمى كانت أخت ياسر.”

 

نظر ياسر إلى الأرض.

 

ثم قالت مريم:

 

“وكانت أقرب شخص لي.”

 

“وهي اللي أنجبتني؟”

 

أومأت.

 

“نعم.”

 

“وماتت ليه؟”

 

لم تجب مريم.

 

فقال نادر:

 

“لأنها رفضت تسليمك.”

 

نظرت ليان إليه.

 

“مين كان عايزني؟”

 

قال:

 

“المنظمة.”

 

“ليه؟”

 

أجاب:

 

“لأنك كنت الحارسة الثانية.”

 

ثم أضاف:

 

“وسلمى اكتشفت أن دمك يحمل الجزء الثاني من الذاكرة.”

 

قالت ليان:

 

“مين قتل أمي؟”

 

نظر الجميع إلى مريم.

 

ثم قالت:

 

“الرجل الذي قتلها كان واحدًا من رجال المنظمة.”

 

“اسمه؟”

 

ترددت.

 

ثم قالت:

 

“كمال.”

 

سأل ياسر:

 

“كمال مات.”

 

قالت مريم:

 

“لا.”

 

التفت الجميع إليها.

 

“كمال حي.”

 

قال آدم:

 

“فين؟”

 

قالت:

 

“في مكان لا يمكن للمنظمة نفسها الوصول إليه.”

 

ثم أضافت:

 

“وهو الرجل الذي يحمل الخاتم الثاني.”

 

نظر آدم إلى الرجل الواقف أمامهم.

 

ثم إلى الخاتم.

 

فهم فجأة.

 

“إذن الرجل اللي قتل سلمى…”

 

قال نادر:

 

“لم يكن والدك.”

 

“كان كمال.”

 

أومأت مريم.

 

“نعم.”

 

قالت ليان:

 

“لكن ليه كان لابس شكل أبو آدم؟”

 

أجاب ياسر:

 

“لأنه كان يريد أن يجعلكم تكرهون الشخص الخطأ.”

 

ثم قال:

 

“كان يريد أن يقتل الحقيقة قبل أن تكتشفوها.”

 

جلس يونس على الأرض، رغم ألمه.

 

قال:

 

“لسه في حاجة أخطر.”

 

نظروا إليه.

 

“إيه؟”

 

قال:

 

“كمال لم يكن يعمل وحده.”

 

تغير وجه مريم.

 

قالت:

 

“يونس…”

 

لكنه تابع:

 

“سليم لم يدخل دار الذاكرة لأنه أراد.”

 

“دخل لأنه كان يهرب من شخص.”

 

سأل آدم:

 

“مين؟”

 

نظر يونس إلى الخاتم.

 

“الشخص الذي يسمونه…”

 

ثم توقف.

 

“صاحب النبض.”

 

قال آدم:

 

“لكن مريم قالت إن صاحب النبض مجرد لقب.”

 

أومأ يونس.

 

“صحيح.”

 

“إذن مين هو؟”

 

نظر يونس إلى مريم.

 

ثم قال:

 

“سليم.”

 

تجمد آدم.

 

“أبويا؟”

 

قال يونس:

 

“نعم.”

 

صرخت مريم:

 

“لا!”

 

لكن يونس أكمل:

 

“سليم هو صاحب النبض.”

 

ساد الصمت.

 

نظر آدم إلى مريم.

 

“أنتِ قلتي إن صاحب النبض مش شخص واحد.”

 

قالت:

 

“كنت أحاول حمايتك.”

 

“يعني أبويا هو اللي كان بيطاردنا؟”

 

قالت:

 

“لا.”

 

ثم اقتربت من الزجاج.

 

“سليم كان أول من حمل هذا الاسم.”

 

توقفت.

 

“لكن الشخص الذي يحمل الاسم الآن…”

 

نظرت إلى الخاتم الثاني.

 

“…ليس سليم.”

 

قال آدم:

 

“مين؟”

 

قبل أن تجيب…

 

اشتغل الجهاز الموجود في الغرفة وحده.

 

ظهرت صورة قديمة لسليم.

 

ثم صورة أخرى.

 

ثم ظهرت صورة ثالثة.

 

كان فيها سليم…

 

وبجواره كمال…

 

وبجواره رجل لم يظهر وجهه.

 

وتحت الصورة ظهرت عبارة:

 

“صاحب النبض ينتقل من أب إلى ابن.”

 

نظر آدم إلى يونس.

 

قال يونس:

 

“السر مش في صاحب النبض.”

 

ثم أضاف:

 

“السر في الابن الذي ورثه.”

 

فجأة…

 

انفتح الباب الحجري في نهاية الممر.

 

وظهر خلفه تسجيل صوتي قديم لسليم.

 

كان صوته متعبًا:

 

“إذا وصل آدم إلى هذه اللحظة…”

 

توقف التسجيل.

 

ثم عاد الصوت:

 

“فلا تسمحوا له أن يعرف من ورث نبضي.”

 

نظر آدم إلى الجميع.

 

وقال:

 

“مين ورثه؟”

 

وقبل أن يجيبه أحد…

 

جاء صوت من خلفهم.

 

هادئ.

 

قريب.

 

ومخيف:

 

“أنا.”

 

استداروا جميعًا.

 

وكان الرجل الذي ظنوا أنه مات…

 

يقف خلفهم.

 

لكن هذه المرة لم يكن وحده.

 

كان بجواره رجل آخر.

 

يشبه آدم بشكل مخيف.

 

وقال الرجل:

 

“أنا ابن سليم… وأنت لست الابن الوحيد.”

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *