...
IMG 20260903 WA0008

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

ظل آدم واقفًا أمام الورقة.

 

كان السطر الأخير لا يزال واضحًا أمام عينيه:

 

“اختفيت لأن الشخص الذي يطارده… كان يعرفني أكثر مما يعرف نفسه.”

 

رفع رأسه ببطء.

 

قال:

 

“مين الشخص ده؟”

 

لم تجبه مريم.

 

أما فارس فظل صامتًا.

 

قال آدم:

 

“إنت عارف.”

 

نظر إليه فارس.

 

“أعرف جزءًا.”

 

“يبقى قولي.”

 

قال فارس:

 

“المشكلة إن كل إجابة هنقولها دلوقتي هتفتح سؤال أكبر.”

 

رد آدم:

 

“إحنا وصلنا لمرحلة إن مفيش حاجة أخطر من اللي عرفناها.”

 

قالت ليان:

 

“بالعكس.”

 

نظر إليها.

 

“إيه؟”

 

قالت:

 

“كل ما نعرف حاجة، بنكتشف إن اللي قبلها كان مجرد بداية.”

 

صمت آدم.

 

كانت محقة.

 

لقد بدأوا رحلتهم وهم يظنون أن الأمر يتعلق بقطعتين غامضتين تركهما والداهما.

 

ثم اكتشفوا المنظمة.

 

ثم دار الذاكرة.

 

ثم صاحب النبض.

 

ثم الحقيقة عن آبائهم.

 

والآن…

 

كان أمامهم مكان وُلد فيه آدم، ويبدو أن سليم ترك فيه شيئًا قبل اختفائه.

 

قالت مريم:

 

“لازم نتحرك قبل ما يطلع النهار.”

 

سألها آدم:

 

“المكان بعيد؟”

 

“حوالي ساعتين.”

 

قال فارس:

 

“لو الطريق خالي.”

 

ثم نظر إلى آثار السيارات البعيدة.

 

“لكن الطريق لن يكون خاليًا.”

 

بدأوا السير.

 

لم يتحدث أحد في البداية.

 

كانت ليان تمشي بجوار آدم.

 

ومريم خلفهما.

 

أما فارس فكان يتقدمهم، يراقب الطريق باستمرار.

 

بعد وقت قصير، قالت ليان:

 

“آدم.”

 

“نعم؟”

 

“لو وصلنا ولقينا والدك…”

 

توقف قليلًا.

 

ثم قال:

 

“مش عارف هقول له إيه.”

 

“وأنا كمان.”

 

نظر إليها.

 

“إنتِ عايزة تعرفي إيه؟”

 

أجابت بعد صمت:

 

“عايزة أعرف ليه أمي ماتت.”

 

ثم قالت:

 

“وليه أبويا عاش طول الوقت بعيد عني.”

 

نظر آدم أمامه.

 

“وأنا عايز أعرف ليه أبويا اختفى.”

 

قالت:

 

“يمكن في النهاية نكتشف إن الأسئلة كلها ليها إجابة واحدة.”

 

قال آدم:

 

“إيه هي؟”

 

نظرت إليه.

 

“الخوف.”

 

لم يرد.

 

لكن فارس سمعها.

 

وقال:

 

“لا.”

 

التفتا إليه.

 

قال:

 

“الخوف لم يكن السبب.”

 

سأل آدم:

 

“إذن إيه؟”

 

قال فارس:

 

“الحماية.”

 

ثم توقف.

 

“لكن الحماية أحيانًا تتحول إلى أكبر كذبة.”

 

واصلوا السير.

 

وبعد ما يقارب ساعتين، وصلوا إلى منطقة بعيدة عن المدينة.

 

كان المكان شبه مهجور.

 

بيوت قديمة متباعدة.

 

أشجار جافة.

 

وطريق ترابي ينتهي عند مبنى حجري صغير.

 

قالت مريم:

 

“هنا.”

 

نظر آدم إلى المكان.

 

“ده المكان؟”

 

أومأت.

 

“هنا وُلدت أنت.”

 

اقترب آدم من الباب.

 

كان الباب قديمًا، لكن عليه قفل جديد.

 

قال فارس:

 

“حد زار المكان قريب.”

 

أخرج آدم الخاتم.

 

اقترب من القفل.

 

لكن مريم أمسكت يده.

 

“استنى.”

 

قالت:

 

“سليم كان يعرف إنك ممكن توصل هنا.”

 

“يعني؟”

 

“لو كان يريد منك فتح الباب بالخاتم…”

 

توقفت.

 

ثم قالت:

 

“كان سيترك علامة.”

 

بحث آدم حوله.

 

ثم لاحظ شيئًا على الحجر.

 

نقش صغير.

 

ثلاث دوائر.

 

وفي منتصفها نقطة.

 

قال فارس:

 

“ده رمز دار الذاكرة.”

 

قالت مريم:

 

“لا.”

 

اقتربت منه.

 

“ده أقدم.”

 

لمست النقش.

 

وفجأة…

 

صدر صوت خافت من داخل الجدار.

 

تحرك الحجر.

 

ظهر تجويف صغير.

 

وفي داخله مفتاح.

 

أمسكه آدم.

 

كان عليه رقم واحد فقط:

 

27

 

قال:

 

“يعني إيه 27؟”

 

أجاب فارس:

 

“رقم الغرفة.”

 

قالت ليان:

 

“غرفة؟”

 

أشارت مريم إلى المبنى.

 

“هذا المكان لم يكن منزلًا فقط.”

 

دخلوا.

 

كان الداخل مظلمًا.

 

أضاء فارس مصباحه.

 

ظهرت أمامهم غرفة صغيرة.

 

وفي الجدار صف من الأبواب المعدنية.

 

واحد…

 

اثنان…

 

ثلاثة…

 

حتى سبعة وعشرين بابًا.

 

قال آدم:

 

“إحنا تحت الأرض.”

 

أومأت مريم.

 

“نعم.”

 

اقترب آدم من الباب رقم 27.

 

أدخل المفتاح.

 

لكن قبل أن يفتحه…

 

سمع صوتًا.

 

صوت طفل يبكي.

 

تراجعت ليان.

 

“سمعتوا؟”

 

قال فارس:

 

“نعم.”

 

نظر آدم إلى مريم.

 

“في طفل هنا؟”

 

لم تجب.

 

فتح الباب.

 

انطفأ المصباح.

 

ثم اشتغل ضوء واحد في منتصف الغرفة.

 

وفي داخله…

 

ظهر سرير صغير.

 

وبجواره جهاز تسجيل قديم.

 

اقترب آدم.

 

كان هناك ورق موضوع فوق السرير.

 

رفع أول ورقة.

 

وجد اسمه.

 

“آدم سليم النجار.”

 

توقفت أنفاسه.

 

قلب الصفحة.

 

وجد تاريخ ميلاده.

 

ثم جملة:

 

“الطفل الأول.”

 

نظر إلى مريم.

 

“الأول؟”

 

لم تجب.

 

قلب الصفحة الثانية.

 

كانت هناك خانة أخرى.

 

“الأم: مريم.”

 

ثم:

 

“الأب: سليم.”

 

ثم سطر مكتوب باللون الأحمر:

 

“الحالة: يحمل الذاكرة الأصلية.”

 

قال آدم:

 

“إيه الذاكرة الأصلية؟”

 

أجاب فارس:

 

“الجزء الأول.”

 

قلب آدم الصفحة التالية.

 

وكانت الصدمة.

 

وجد اسمًا آخر.

 

“ليان عادل السيوفي.”

 

وتحت اسمها:

 

“الطفلة الثانية.”

 

تجمدت ليان.

 

اقتربت.

 

“يعني أنا كنت هنا؟”

 

قالت مريم:

 

“نعم.”

 

قلب آدم الصفحة.

 

كان هناك سطر:

 

“الحالة: تحمل الجزء الثاني.”

 

ثم صفحة ثالثة.

 

لكنها كانت ممزقة.

 

لم يبقَ منها إلا جزء صغير.

 

ظهر عليه اسم:

 

“يونس…”

 

ثم انقطع.

 

قال آدم:

 

“يونس كان جزءًا من التجربة؟”

 

قال فارس:

 

“لا.”

 

قالت مريم:

 

“لم تكن تجربة.”

 

“إذن إيه؟”

 

قالت:

 

“كانوا ثلاثة أطفال اختارهم سليم لحمل أجزاء مختلفة من الذاكرة.”

 

سأل آدم:

 

“ليه؟”

 

أجابت:

 

“لأن الإنسان الواحد لا يستطيع حملها كاملة.”

 

ثم قالت:

 

“ولهذا كان يجب ألا تجتمعوا.”

 

نظر آدم إلى ليان.

 

“لكننا اجتمعنا.”

 

قالت مريم:

 

“ولهذا بدأت الذاكرة تستيقظ.”

 

فجأة…

 

اشتغل جهاز التسجيل وحده.

 

خرج صوت رجل.

 

صوت سليم.

 

تجمد آدم.

 

“أبي…”

 

قال التسجيل:

 

“إذا كنت تسمعني الآن يا آدم، فهذا يعني أنني فشلت في إبعادك عن الحقيقة.”

 

صمت قصير.

 

ثم أكمل:

 

“لكن هناك شيء لم أخبر به مريم.”

 

نظرت مريم إلى الجهاز.

 

تغير وجهها.

 

قال سليم:

 

“الحقيقة ليست أن آدم وليان يحملان أجزاء من الذاكرة.”

 

توقف التسجيل للحظة.

 

ثم عاد صوته:

 

“الحقيقة أن الجزء الثالث لم يكن يخص يونس.”

 

شهقت ليان.

 

نظر آدم إلى فارس.

 

قال سليم:

 

“الجزء الثالث كان داخل شخص آخر.”

 

ثم جاء صوت طرق قوي من خارج الغرفة.

 

توقف التسجيل.

 

نظر الجميع إلى الباب.

 

طرق مرة ثانية.

 

ثم ثالثة.

 

قال فارس:

 

“حد وصل.”

 

قال آدم:

 

“المنظمة؟”

 

هز فارس رأسه.

 

“لا أعرف.”

 

اقتربت مريم من الباب.

 

قالت:

 

“لا تفتح.”

 

لكن الطرق توقف.

 

ثم جاء صوت من خلف الباب.

 

صوت امرأة.

 

هادئ.

 

مألوف.

 

قالت:

 

“مريم… افتحي. أنا سلمى.”

 

تجمدت ليان.

 

سقطت الورقة من يد آدم.

 

أما مريم…

 

فلم تتحرك.

 

لأن صوت سلمى…

 

كان نفس الصوت الذي سمعته آخر مرة قبل موتها.

 

انتظروا الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *