الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ظل آدم واقفًا أمام الضوء.
لم يستطع أن يتحرك.
الصوت الذي خرج من الداخل كان صوت طفلة يعرفه دون أن يعرف كيف.
“أنا نور… أختك.”
اقتربت ليان منه.
قالت بصوت منخفض:
“آدم…”
لكن آدم لم يرد.
كانت مريم هي الأكثر صدمة.
لم تكن تنظر إلى الضوء فقط…
بل كانت تنظر إلى السوار الصغير الموجود في يد آدم.
السوار الذي يحمل اسم نور.
قالت بصوت مرتجف:
“نور…”
خرجت الفتاة من خلف الضوء.
لم تكن طفلة.
كانت شابة في مقتبل العمر، تقف أمامهم بثبات، لكن عينيها كانتا ممتلئتين بدموع طويلة الانتظار.
نظرت إلى آدم.
وقالت:
“أنت آدم.”
لم يسألها كيف عرفت.
لأن شيئًا داخله كان يخبره أنها تقول الحقيقة.
قال:
“إنتِ… نور؟”
أومأت.
ثم اقتربت منه.
“أنا أختك.”
توقف آدم لحظة.
ثم سأل:
“من أمي؟”
نظرت نور إلى مريم.
كانت الإجابة واضحة في عينيها قبل أن تنطق.
قالت:
“مريم.”
ارتجفت مريم.
تراجعت خطوة.
“لا…”
قالت نور:
“أنا بنتك.”
وضعت مريم يدها على فمها.
ثم قالت:
“أنا ظننتك متِ.”
أجابتها نور:
“أعرف.”
“إزاي؟”
“لأنني أتذكر.”
اقتربت نور منها.
“أتذكر كل شيء.”
قالت مريم:
“أنتِ كنتِ صغيرة جدًا.”
“كنت.”
“وأنا…”
توقفت.
ثم انهارت دموعها.
“أنا دفنتك في قلبي.”
قالت نور:
“لكنني لم أمت.”
ثم نظرت إلى آدم.
“وأنت لم تكن تعرف أن لك أختًا.”
قال آدم:
“ليه؟”
أجابت نور:
“لأن أمي ظنت أنني مت.”
نظرت إلى مريم.
“بعد ولادتي بفترة قصيرة، حدث الهجوم.”
بدأت الحقيقة تتشكل أمامهم.
قالت نور:
“أخذني أشخاص وجدوني وحدي.”
سأل آدم:
“مين؟”
“ناس عاديون.”
ثم أضافت:
“لم يكونوا يعرفون من أنا.”
قالت مريم:
“إذن كيف عشتِ؟”
“ربوني.”
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
“كبرت وأنا لا أعرف أن لي أمًا وأخًا.”
سأل آدم:
“والمنظمة؟”
قالت نور:
“وصلوا إليّ بعد سنوات.”
تغير وجه ليان.
“وعملوا فيك إيه؟”
هزت نور رأسها.
“حاولوا.”
ثم قالت:
“لكنهم اكتشفوا أن الشيء الذي يبحثون عنه لا يمكن انتزاعه مني بالقوة.”
سأل آدم:
“إيه هو؟”
وضعت نور يدها على رأسها.
“الذاكرة.”
ثم قالت:
“لذلك تركوني.”
قالت مريم:
“لكن كيف تذكرتِ كل شيء؟”
أجابت:
“لأن الذاكرة لم تكن نائمة.”
ثم نظرت إلى آدم.
“كانت تنتظر أن تقترب مني القطعة الثانية.”
قالت ليان:
“عشان كده جيتي هنا؟”
أومأت نور.
“منذ أن اقترب آدم وليان من بعضهما، بدأت أرى أشياء.”
“أشخاصًا.”
“أماكن.”
“وجوهًا.”
ثم قالت:
“وفي إحدى الذكريات رأيت هذا المكان.”
نظر آدم حوله.
“وعرفتي إننا هنا؟”
“نعم.”
قالت نور:
“لأنني رأيت أمي وهي تضع السوار هنا.”
نظرت إلى مريم.
“لكنها لم تكن تعرف أنني سأعود.”
سكتت مريم.
ثم قالت نور:
“وهناك شيء آخر.”
سأل آدم:
“إيه؟”
قالت:
“أبي.”
تغير وجه مريم.
رفع آدم رأسه.
“أبوكي؟”
أومأت نور.
“أبي الحقيقي.”
ثم نظرت إلى مريم.
“الرجل الذي تزوجته قبل سليم.”
تجمدت مريم.
قالت:
“لا…”
قالت نور:
“اسمه عاصم.”
لم تتكلم مريم.
قالت نور:
“كنتِ متزوجة منه قبل أن تعرفي سليم.”
قال آدم:
“ومين عاصم؟”
أجابته نور:
“أبي.”
ثم قالت:
“وهو مات قبل أن تبدأ كل هذه الأحداث.”
سأل آدم:
“إيه علاقته بكل اللي بيحصل؟”
قالت نور:
“كان أول شخص اكتشف أن نبض القدر ليس مجرد معرفة.”
ثم أضافت:
“وكان أول من عرف أن الذاكرة يمكن أن تنتقل.”
نظر آدم إلى مريم.
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
هزت رأسها.
“كنت أعرف عاصم.”
ثم قالت:
“لكنني لم أكن أعرف أنه وصل إلى هذا.”
قالت نور:
“لأن عاصم أخفى عنك آخر جزء.”
ثم التفتت إلى فارس.
“إلا هو.”
ساد الصمت.
كان فارس واقفًا في مكانه.
لم يتحرك.
قال آدم:
“فارس؟”
لم يجب.
اقتربت نور منه.
وضعت يدها على كتفه.
وفجأة…
بدأ جسده يتغير.
تراجع آدم.
قالت ليان:
“إيه ده؟!”
ظهرت خطوط ضوئية تحت جلد فارس.
ثم بدأت ملامحه تهتز.
لم يكن هناك دم.
لم تكن هناك جروح.
بل بدأت صورته نفسها تتفكك إلى نقاط ضوئية.
قال آدم:
“فارس!”
نظر إليه.
ولأول مرة…
ظهرت ابتسامة حقيقية على وجهه.
قال:
“انتهى دوري.”
صرخت مريم:
“مستحيل.”
قال فارس:
“كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي.”
قال آدم:
“إنت مين؟!”
أجاب:
“لست إنسانًا.”
تراجعت ليان.
قالت نور:
“هو أحد أشكال الذكاء الذي تركه سليم.”
ثم أكملت:
“لم يُخلق ليقودكم.”
“بل ليرشدكم.”
قال فارس:
“لو أخبرتكم الحقيقة منذ البداية، لتبعتموني.”
ثم نظر إلى آدم.
“ولو تبعتموني…”
توقف.
“كانت المنظمة ستعرف الطريق.”
قال آدم:
“إذن كنت بتخلينا نوصل للحقيقة بنفسنا؟”
أومأ.
“لأنكم لو اكتشفتم الطريق بأنفسكم، لن يستطيع أحد انتزاعه منكم.”
قالت مريم:
“وليه ما قلتليش أنت مين؟”
قال:
“لأنك لو عرفتِ، كنتِ ستثقين بي.”
ثم نظر إلى آدم وليان.
“والثقة الزائدة كانت ستقتلكم.”
بدأ جسده يختفي أكثر.
قال آدم:
“استنى.”
اقترب منه.
“أبويا هو اللي صنعك؟”
أجاب:
“سليم صنع الفكرة.”
ثم نظر إلى نور.
“وعاصم أكملها.”
قال آدم:
“إذن عاصم كان يعرف كل شيء؟”
أومأ فارس.
“أكثر مما تتخيل.”
قالت نور:
“وأبي ترك شيئًا لي.”
ثم نظر فارس إلى مريم.
“وأنتِ كنتِ المفتاح.”
قالت مريم:
“لأي شيء؟”
ابتسم.
“للماضي.”
ثم اختفى نصف جسده.
قال آدم:
“فارس!”
رد صوته:
“لا تبحثوا عني.”
“لماذا؟”
“لأن دوري انتهى.”
ثم قال:
“المكان التالي لن تحتاجوا فيه إلى من يرشدكم.”
تلاشى تمامًا.
سقط الصمت.
لم يبقَ أمامهم سوى ثلاث نساء ورجل واحد:
مريم.
آدم.
ليان.
نور.
نظر آدم إلى الباب الذي اختفى خلفه فارس.
ثم قال:
“إذن إحنا لوحدنا.”
قالت نور:
“لا.”
وأخرجت من جيبها ورقة قديمة.
“لسه عندنا الحقيقة.”
فتح آدم الورقة.
كان عليها اسم عاصم.
وتحته جملة واحدة:
“إذا ظهرت نور، افتحوا الغرفة التي لم يدخلها سليم.”
قالت ليان:
“فين الغرفة دي؟”
رفعت نور عينيها.
وأشارت إلى آخر ممر.
كان هناك باب صغير لم يلاحظوه من قبل.
وعليه نقش واحد:
نبض القدر.
قالت نور:
“أبي ترك شيئًا خلف هذا الباب.”
اقتربت مريم.
لكن قبل أن تلمس المقبض…
سمعوا صوتًا من الداخل.
صوت رجل.
هادئ.
واضح.
قال:
“مريم… نور… آدم… ليان…”
تجمدوا.
ثم جاء الصوت مرة أخرى:
“لقد تأخرتم.”
نظرت مريم إلى نور.
قالت نور:
“هذا صوت أبي.”
ووضع آدم يده على المقبض.
لكن قبل أن يفتحه…
جاءت الجملة الأخيرة من خلف الباب:
“والآن… سأخبركم لماذا كان سليم يخاف من ابنه.”
انتظروا الجزء القادم
![]()
