...
IMG 20260121 WA0106

 

الكاتبة عاليا عجيرة

 

في تلك الزاوية المنسيّة من حوافّ العالم، حيث يتعبُ الزمن من الركض فيقرّر الاستلقاء تحت ظلال الأشجار العتيقة، يهمسُ الضوء بلغةٍ نورانيّة لا تفكُّ رموزها إلّا القلوب التي أرهقها ضجيج الحياة. لم يكن هذا الممرُّ مجرّد أحجارٍ دائريّة مصفوفة بعناية فوق بساطٍ من العشب المخملي، بل كان جسرًا سرّيًا يربطُ بين ضفّتي الواقع والحلم، ودعوةً صريحة لكلّ عابرٍ كي يخلع أثقال روحه عند العتبة الأولى، ويدخل المكان خفيفًا كالنسمة، مجرّدًا من ألقابه وهمومه.

الأشجار هنا ليست مجرّد كائنات خشبيّة صامتة، بل هي حرّاسٌ قدامى شهدوا ميلاد الفجر آلاف المرّات. التوت جذوعها بفعل قرونٍ من الإنصات لأسرار الغرباء، فصارت عروقها تحملُ حكمة الأرض، وأنارت أغصانها بقناديل هي في الحقيقة شظايا من أرواح النجوم التي هوت شوقًا للأرض. تتدلّى الكرات البلّوريّة بين الأغصان كأنّها ثمارٌ سماويّة نضجت في ليلةٍ مقمرة، تشعُّ بضوءٍ دافئ يكسرُ برودة الغسق الأزرق المحيط، ويغزلُ من الظلال لوحاتٍ فنيّة تتراقصُ مع هبّات النسيم الرقيقة.

وفي نهاية هذا الدرب المضيء، ينتظرُ ذلك الكرسي الخشبيُّ الوحيد، مستندًا إلى جذوعٍ ملتويةٍ كأنّها أذرعٌ حانية توفّر الأمان. يقبعُ الكرسي تحت سقيفةٍ خضراء نبتت من الطحالب، وكأنّه عرشٌ مخصّصٌ لملوك التأمّل الصامت. هناك، حيث يختلط عبير الندى برائحة الخشب العتيق ووهج المصابيح، يدركُ المرءُ أنّ الجمال الحقيقي ليس في الوصول، بل في تلك اللحظة التي يقرّر فيها أن يغلق عينيه ويفتح قلبه، ليغرق في سكينةٍ تشبه صلاةً صامتة في محراب الطبيعة.

إنّها تجربةٌ فريدة للانسلاخ عن المادّة، حيث تصبحُ المصابيح الأرضيّة كعلاماتٍ ترشدُ الروح التائهة إلى موطنها الأصلي، وتتحوّلُ العتمة المحيطة بالمكان إلى ستارٍ يحمي هذا السلام الداخلي من العبث الخارجي. في هذا الملاذ، يتوقّفُ المرء عن البحث عن المعنى، لأنّ المعنى يتجسّدُ بوضوح في جلال اللحظة، وفي ذلك الضوء الصغير الذي يرفض أن ينطفئ مهما اتّسعت رقعة الليل.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *