الكاتبه أمل سامح
لم تكن تبكي…
كانت تحاول أن تمنع صوتًا آخر من الخروج.
صوتًا لو خرج، فلن يتوقف.
جلست منكمشة في الزاوية، ركبتاها مضغوطتان إلى صدرها، وذراعاها تلتفان حول جسدٍ لم تعد تشعر أنه يخصّها. الأرض باردة، لكن البرودة لم تكن المشكلة؛ المشكلة أن البرد كان يتسلل من الداخل، من موضعٍ لا تصل إليه النار، ولا تفهمه الأجساد.
الشمعتان أمامها لم تكونا للإنارة، بل للتذكير.
كلما اهتزّ اللهب، ارتجّ معها شيء قديم في ذاكرتها… شيء كان يجب أن يبقى مدفونًا، لكنه ظل يتنفس تحت التراب.
الجدار خلفها متشقق، كأن الغرفة نفسها حاولت الهرب يومًا وفشلت.
ومن الثقب المفتوح في الحائط، كان القمر يحدق.
ليس قمرًا عاديًا… كان ناقصًا، كأن أحدهم اقتطع جزءًا منه، أو كأنه رأى ما لا يجب أن يُرى، فغضّ بصره إلى الأبد.
كانت تعرف هذا المكان.
ليس لأنه بيتها…
بل لأنه المكان الوحيد الذي لم يتخلَّ عنها أبدًا.
على الأرض، بجانب قدمها العارية، استقرت الجمجمة.
لم تلمسها منذ أيام،
لكنها كانت تشعر بها…
كما يشعر الإنسان بوجود شخص يقف خلفه دون أن يراه، قريبًا بما يكفي ليلتقط أنفاسه.
لم تكن الجمجمة لميتٍ غريب.
كانت تعرف صاحبها.
وكان يعرفها جيدًا… أكثر مما ينبغي.
أغمضت عينيها، فانقضّت الذكريات عليها كالأصابع.
رائحة دخانٍ قديم.
صراخٌ انقطع قبل أن يكتمل.
ووعدٌ قيل في الظلام…
لم يُكسر، بل تُرك ليتعفّن.
قالوا لها قديمًا:
«الوقت يشفي.»
لكنهم لم يخبروا أحدًا عمّا يفعله الوقت بالأشياء التي لا تموت، بالأشياء التي تتغذى على الانتظار.
الساعة في هذا المكان لا تتحرك.
الأيام لا تُعد.
والليل… لا ينتهي، بل يزداد سماكة.
همست، بالكاد يُسمع صوتها:
— لم أعد أذكر متى بدأت… لكنني أذكر جيدًا أنني لم أُنقذ أحدًا.
عندها…
انطفأت إحدى الشمعتين.
ليس بفعل الهواء.
لم يكن هناك هواء أصلًا.
شعرت بشيء يتحرك خلفها.
ليس خطوة…
بل اقتراب.
بطيء.
متعمد.
يعرف أنها تشعر به، ويستمتع بتلك المعرفة.
لم تلتفت.
لم تصرخ.
فهي تعرف القاعدة الأولى في هذا المكان:
إذا التفتِّ… سيتذكرك.
وإذا تذكرك…
فلن تنسيه أبدًا.
لكن الجمجمة…
تحركت.
تحركت حركة طفيفة، بالكاد تُرى،
كأن فمها المتشقق انفرج عن ابتسامة لم تكتمل.
وفي داخل رأسها، عاد الصوت الذي حاولت كتمه طويلًا.
هذه المرة كان واضحًا، حادًا، بلا رحمة:
— أخيرًا…
تعبتِ من الاختباء.
فتحت عينيها.
ولأول مرة منذ سنوات…
أدركت الحقيقة.
لم تكن وحدها في الغرفة قط.
هي فقط كانت آخر من تذكّر ذلك.
![]()
