...

لقاء غريب

مارس 23, 2026
IMG 20260322 WA0007

 

الكاتبه مريم لقطي

 

كانت تعزف مقطوعة موسيقية تحمل بجوفها آلام الكون أجمع، هي تعزف لحن الموت وهو يرسم نهاية مأساوية للمسرحية.

هي تعزف داخل بيت زجاجي تتساقط عليه قطرات المطر كطلقات الرصاص، بينما كان هو يخط بقلمه دركًا جحيميًا لأبطال مسرحيته.

كانت تعزف ألم الوحدة، الخيانة، الفقد والوداع، كان الشتاء فصلها المفضل، يشبه سوادها، غموضها كغموض أيامه الضبابية.

كان هو يقدس كل ما يتعلق بالشتاء، أدق التفاصيل، لأن الشتاء في نظره يطهر القلوب وقطرات المطر تغسل الذنوب.

في الصباح الباكر اتصلت بها صديقتها تخبرها بأن مسرحية هذه السنة استثنائية وعليها الذهاب معها، هي لم تذهب من قبل لكن هذه المرة انتابها إحساس مختلف، لذا ذهبت رفقة صديقتها. كان المكان مزدحمًا بشدة، هي لم تعلم من قبل أن هذا الكاتب المجهول محبوب إلى هذه الدرجة، كانت تجلس في الصف الأمامي من المقاعد، على يمينها صديقاها وعلى يسارها رجل لم تلتفت له بعد.

كان أحداث المسرحية حول بلاد محتلة، انتُهكت محارمها ودُنست معتقداتها، كانت الحرب في فصل الشتاء في المسرحية، وكان الجوع قد قتل ملايين الصغار بفلسطين، كانت الخيام قد تطايرت بفعل الرياح، وهي كانت تبكي طيلة المسرحية لأنها ابنة القضية، شعرت بشيء أمامها، فإذا به قطعة قماش حمراء جميلة من أجل دموعها، وحين نظرت كان رجل حاد الملامح، بارد المشاعر، شعره أسود كسواد الليل، همس لها: “ربما لأول مرة أشهد بكاءً صادقًا تجاه القضية”.

ولأنها مسرحية استثنائية، فحتى رقصتها كانت استثنائية تحت المطر.

تقدم كرجل نبيل لأول مرة طالبًا أن ترقص معه، وهي لبت طلبه كفتاة صغيرة وجدت الأمان بعيون شخص ما، كان يراقصها بشغف جلي بعيناه، وهي كانت خجولة، بعيونها هدوء اللافندر وثورة الماريغولد، كان الناس يصفقون ويبكون في آن، يبكون بلادًا ركنها قد تهدم ويضحكون الرقص تحت المطر.

كان هو البعث الجديد في حياتها، وهو كان وليد الظلام في ليلها الليلكي.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *