كتبت: ملاك عاطف
منذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر، اتبع الاحتلال أسلوبًا /أقلّ ما يقال عنه إنّه حقير- وراح يقطع الاتصال عن القطاع المحاصر بين الحين والآخر؛ محاولًا كتم صوت الحق الذي يفضح جرائمه، ويعرّيه من قوته المختلقة، ويكشف حجم الكارثة الإنسانيّة التي يشهدها القطاع.
إنّ سياسة قطع الاتصال هي طريقةٌ مبتكرةٌ من طرق الموت، طريقةٌ أشدُّ عذابًا، وأشدُّ ألمًا؛ إذ أنّ الأحداث تتجمّد حال وقوعها، ولا أحدٌ يعرف الأخبار سوى الحجارة المتكسّرة الشاهدة على البيوت المنسوفة.
ويظلّ الغزّي يموت بصمت، ويجرح بصمت، وينزف بصمت، ويصرخ بلا جدوى؛ فلا عدسات الكاميرات قادرةً على نقل الحقيقة، ولا وسيلة اتصالٍ تعين المواطنين على إطلاق نداءات الاستغاثة. وتظلّ الضحايا تتكوم فوق بعضها، وتتهاوى في كلّ مكان، وتزداد وتزداد، ثمّ تنتظر نفاذ مشيئة القدر، وتكمل بقيّة حياتها تلهج بالدعاء وتئنّ من الوجع، فإمّا قريبٌ يتطوع للإنقاظ، وإمّا موتٌ بطيء يزحف ويزحف حتّى يطول روح الفلسطينيّ ويرديه جثّةً تستعدّ للتحلّل.
ولا تتوقف النازلة عند هذا الحد، بل يتضاعف حجمها، وتتخذ شكل حرب الاستنزاف ثمّ شكل الحرب النفسيّة؛ فترمي بقيّة الشعب في جحيم القلق، وتتركه فريسةً لتصوّراته البشعة؛ فلا سبيل للاطمئنان على الأهالي، ولا سبيل لمنع الهواجس من أن تطفو على السطح. وتعود عقدة الناجي إلى ضخامتها، ويعود التوتّر ليبلغ منتهاه، والله غالبٌ على أمره، وإليه المشتكى.
![]()
