بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
بدأت الخطوات تقترب
خطوة وراء خطوة
ببطء شديد
كأن صاحبها لا يريد أن يصل إليهم بسرعة
كان الظلام كاملًا
والباب الحجري الذي أغلق خلفهم أصبح حاجزًا بينهم وبين الممر
حاول أحمد دفعه بكل قوته
لكن الباب لم يتحرك
صرخ
“افتح يا دكتور”
لم يرد الدكتور مصطفى
كان واقفًا أمام الباب
ينظر إلى النقوش الموجودة عليه
اقترب محمد منه
وقال
“الدكتور”
لم يتحرك
كرر محمد
“إنت سامعني”
رفع الدكتور يده
وطلب منه الصمت
كانت الخطوات ما زالت تقترب
خطوة
ثم صمت
ثم خطوة أخرى
ثم صمت
رفع عبد الرحمن المصباح الصغير الذي كان يحمله
لكن ضوءه كان ضعيفًا جدًا
لم يكن يكشف أكثر من بضعة أمتار
وفجأة
توقفت الخطوات
ساد الصمت
نظر الأربعة إلى بعضهم
قال أحمد بصوت منخفض
“اختفى”
رد الدكتور
“لا”
قال أحمد
“أمال فين”
أجاب الدكتور
“مستني”
سأل محمد
“مستني إيه”
قال الدكتور
“مستني حد يتحرك”
ظل الجميع ثابتين
مرت لحظات طويلة
ثم سمعوا صوتًا مختلفًا
صوت حجر يسقط على الأرض
جاء الصوت من داخل الغرفة التي خلف الباب
ثم تبعه صوت احتكاك
كأن شيئًا يتحرك فوق الأرض
قال عبد الرحمن
“إحنا لازم نعرف إيه اللي جوه”
نظر إليه الدكتور
وقال
“إنت مش فاهم”
اقترب عبد الرحمن
“يبقى فهمني”
ظل الدكتور صامتًا
ثم قال
“اللي جوه مش هو المشكلة”
سأله محمد
“أمال إيه المشكلة”
أجاب
“اللي هيخرج منه”
لم يفهم أحد كلامه
لكن قبل أن يسألوه
سمعوا صوتًا خافتًا يأتي من داخل الباب
صوت امرأة
كانت تردد كلمات غير مفهومة
اقترب محمد من الباب
ووضع أذنه عليه
سمع الصوت بوضوح أكثر
ثم ابتعد بسرعة
قال الدكتور
“سمعت إيه”
رد محمد
“صوت واحدة”
سأله أحمد
“بتقول إيه”
قال محمد
“مش فاهم”
ثم أضاف
“الكلام غريب”
اقترب الدكتور
وقال
“كرر اللي سمعته”
حاول محمد تذكر الكلمات
ثم قال بصوت متردد
“سا رع نبت خت حع نفر”
تغير وجه الدكتور
نظر إليه طويلًا
وقال
“إنت متأكد”
قال محمد
“أيوه”
سأله عبد الرحمن
“يعني إيه”
لم يجب الدكتور مباشرة
بل قال
“دي مش جملة كاملة”
قال محمد
“طيب معناها إيه”
أجاب الدكتور
“لو الترتيب اللي سمعته صحيح فالمعنى الأقرب”
توقف
ثم قال
“يا سيد المكان احفظ ما استيقظ”
نظر أحمد إليه
وقال
“ده معناه إيه”
رد الدكتور
“معناه إننا مش أول ناس يوصلوا هنا”
بدأ محمد يفحص الجدار
كان يمرر الضوء على النقوش واحدًا تلو الآخر
حتى توقف فجأة
وقال
“استنوا”
اقترب الثلاثة منه
كانت هناك كتابة صغيرة جدًا بالقرب من أسفل الجدار
لم تكن ظاهرة بسهولة
لكن محمد استطاع تمييز بعض العلامات
قال
“دي كتابة مختلفة”
سأل الدكتور
“من أي عصر”
رد محمد
“مش قادر أحدد”
قال الدكتور
“خليني أشوف”
اقترب منه
وبمجرد أن رأى الكتابة
تغير وجهه
قال عبد الرحمن
“إيه اللي حصل”
أجاب الدكتور
“دي نفس الكتابة اللي شوفتها قبل عشرين سنة”
قال محمد
“يعني الفريق القديم كان هنا”
هز الدكتور رأسه
“أيوه”
سأل أحمد
“طب فين آثارهم”
لم يجب الدكتور
ظل ينظر إلى الجدار
ثم قال
“كان فيه واحد منهم اسمه ياسين”
سأله محمد
“مين ياسين”
قال الدكتور
“باحث كان معانا”
ثم سكت
“هو الوحيد اللي فضل موجود بعد اللي حصل”
قال عبد الرحمن
“وإنت قلت إنك الوحيد اللي خرج”
نظر الدكتور إليه
ثم قال
“أنا كنت فاكر كده”
ساد الصمت
كانت الجملة أثقل من أن تمر بسهولة
قال محمد
“يعني إيه كنت فاكر”
اقترب الدكتور من الجدار
وأشار إلى كتابة صغيرة
وقال
“لأن ياسين كتب حاجة هنا”
أضاء محمد المكان
بدأ يقرأ
لكن الكتابة كانت ناقصة
بعض الأجزاء كانت ممسوحة
وبعض العلامات كانت مكسورة
قال محمد
“فيه كلمات ناقصة”
رد الدكتور
“حاول”
بدأ محمد يفك الرموز واحدة وراء الأخرى
ثم قال
“اللي يرجع إلى البيت السفلي”
توقف
ثم تابع
“يحمل معه عين من لا يموت”
رفع عبد الرحمن رأسه
“عين من لا يموت”
قال الدكتور
“كمل”
تابع محمد
“ولا تجعل الدم يصل إلى الحجر الأسود”
توقف
ثم قال
“لأن الحجر إذا شرب الدم فتح الطريق”
نظر الأربعة إلى بعضهم
قال أحمد
“هو إحنا بندور على إيه بالضبط”
قال الدكتور
“مش عارف”
ثم أضاف
“لكن واضح إن فيه حاجة كانت محبوسة”
قال عبد الرحمن
“والحاجة دي مرتبطة بإيه”
نظر الدكتور إلى الباب
“بالعظماء”
سأله محمد
“ملوك”
أجاب
“يمكن”
ثم قال
“لكن مش أي ملوك”
اقترب عبد الرحمن من النقوش
كانت هناك أسماء غير واضحة
بدأ يمسح الغبار عن جزء صغير من الجدار
ظهر اسم
قرأه محمد بسرعة
“حتشبسوت”
توقف الدكتور
ثم قال
“مستحيل”
قال عبد الرحمن
“إيه اللي مستحيل”
أشار الدكتور إلى النقش
“مقبرة حتشبسوت معروفة”
قال محمد
“مقبرة الملكة في وادي الملوك”
هز الدكتور رأسه
“أيوه”
ثم أضاف
“لكن النص ده مش بيتكلم عن مقبرتها”
سأل أحمد
“أمال بيتكلم عن إيه”
قال الدكتور
“عن مكان تاني”
نظر إلى الخريطة الصغيرة التي كان يحملها
ثم قال
“مكان مرتبط بطريق قديم كان بيصل بين مناطق الدفن والمناطق المقدسة في البر الغربي”
سأل محمد
“زي دير المدينة”
نظر إليه الدكتور
“بالضبط”
ثم قال
“لكن فيه مكان تاني أهم”
سأله عبد الرحمن
“إيه هو”
أجاب
“معبد حتشبسوت في الدير البحري”
قال أحمد
“يعني لازم نروح هناك”
رد الدكتور
“لو اللي مكتوب هنا صحيح”
ثم نظر إلى الباب
“إحنا لازم نعرف الأول إيه اللي كانوا بيخفوه”
فجأة
صدر صوت من خلفهم
التفت الأربعة
كان الباب قد بدأ يتحرك
لكن هذه المرة لم يكن ينفتح
بل كانت هناك شقوق صغيرة تظهر في جوانبه
ومن داخل الشق خرج هواء بارد جدًا
ثم ظهرت رائحة غريبة
رائحة تشبه رائحة التراب القديم
لكن كان معها شيء آخر
رائحة حادة جعلت أحمد يضع يده على أنفه
قال
“الريحة دي إيه”
لم يرد الدكتور
كان يحدق في الباب
ثم قال
“ارجعوا”
تراجع الجميع
قال محمد
“ليه”
قال الدكتور
“ارجعوا فورًا”
لكن قبل أن يتحركوا
انفتح جزء صغير من الباب
ظهر خلفه ممر آخر
وفي نهاية الممر ظهر ضوء ضعيف
قال عبد الرحمن
“فيه نور”
قال الدكتور
“ده مش نور”
نظر إليه
“أمال إيه”
أجاب الدكتور
“انعكاس”
سأل أحمد
“انعكاس إيه”
قال الدكتور
“ذهب”
اقترب محمد
ثم قال
“يعني فيه ذهب”
رد الدكتور
“يمكن”
لكن عبد الرحمن كان ينظر إلى شيء آخر
شيء كان موجودًا على الأرض داخل الممر
اقترب قليلًا
ثم توقف
كان هناك صندوق خشبي صغير
قديم جدًا
وعليه نفس العلامة
أشار إليه
وقال
“الصندوق ده”
اقترب الدكتور
لكن قبل أن يلمسه
قال محمد
“استنى”
كانت هناك كتابة على الصندوق
بدأ محمد في قراءتها
وكانت الكلمات مختلفة عن كل ما قرأه من قبل
قال
“هنا مكتوب”
ثم قرأ ببطء
“أنا الذي أخفيت صوت العرش تحت الجبل”
توقف
ثم أكمل
“أنا الذي أغلقت فم الأرض بختم الأربعة”
نظر إلى العلامات الأربع الموجودة على الباب
ثم تابع
“إذا كُسر الختم خرج الذي لا ينام”
ساد الصمت
قال أحمد
“والجملة الأخيرة”
رفع محمد الضوء
اقترب أكثر
ثم تغير وجهه
قال
“الجملة الأخيرة مش تحذير”
سأله عبد الرحمن
“أمال إيه”
رد محمد
“دي رسالة لشخص”
نظر الدكتور إلى الصندوق
وقال
“لمين”
رفع محمد رأسه
وقال
“لمصطفى”
تجمد الدكتور
اقترب منه عبد الرحمن
وقال
“إنت كنت عارف إن الرسالة دي موجودة”
هز الدكتور رأسه
“لأ”
قال محمد
“بس اسمك مكتوب”
أجاب الدكتور
“أنا عارف”
سأله أحمد
“إزاي”
لم يجب
ظل الدكتور ينظر إلى الصندوق
ثم قال
“لأن الرسالة دي مش جديدة”
سأله عبد الرحمن
“يعني إيه”
قال الدكتور
“أنا شوفتها قبل كده”
نظر إليه محمد
“فين”
أجاب الدكتور بصوت منخفض
“في معبد حتشبسوت”
سأل أحمد
“إمتى”
قال الدكتور
“من عشرين سنة”
ثم أضاف
“ياسين هو اللي لقاها”
سأل محمد
“وليه ما قلتلناش”
رفع الدكتور عينيه
وقال
“لأن ياسين مات بعدها”
ساد الصمت
قال عبد الرحمن
“مات إزاي”
نظر الدكتور إلى الباب
ثم قال
“بنفس الطريقة اللي بدأت تحصل لنا دلوقتي”
وقبل أن يسأل أحد عن معنى كلامه
صدر صوت ارتطام قوي من داخل الممر
سقط الصندوق من مكانه
وانفتح الغطاء
ظهر داخله شيء صغير ملفوف بقطعة قماش قديمة
اقترب محمد
لكن الدكتور صاح
“محدش يلمسه”
توقف محمد
ثم سأل
“إيه ده”
نظر الدكتور إلى الشيء
وبدأت ملامح وجهه تتغير
قال
“دي عين”
اقترب عبد الرحمن قليلًا
كانت داخل القماش قطعة حجرية صغيرة منحوتة على شكل عين
لكن الشيء المرعب لم يكن شكلها
كان وجود خط أحمر داكن في منتصفها
قال أحمد
“دي حجر”
رد الدكتور
“أيوه”
ثم قال
“لكن مش حجر عادي”
اقترب أكثر
وهمس
“دي عين الحارس”
في نفس اللحظة
اشتعلت العلامات الأربع الموجودة على الباب مرة أخرى
لكن هذه المرة لم تضيء فقط
بل بدأت تتحرك داخل الحجر
كأن شيئًا ما كان يعيد رسمها من الداخل
ثم سمعوا صوتًا عميقًا جدًا
صوتًا خرج من خلف الباب
وقال كلمة واحدة
“مصطفى”
تراجع الدكتور
ثم جاء الصوت مرة أخرى
لكن هذه المرة كان أقرب
“أعد العين”
نظر الدكتور إلى الحجر الموجود داخل الصندوق
ثم إلى الباب
ثم قال بصوت مرتجف
“إحنا لازم نخرج من هنا”
سأله محمد
“ليه”
أجاب الدكتور
“لأن اللي حصل من عشرين سنة ما انتهيش”
ثم نظر إلى الثلاثة
وقال
“هو كان مستنيني أرجع”
وفجأة
انطفأ آخر ضوء معهم
وسمعوا صوت خطوات خلفهم
لكن هذه المرة
لم تكن قادمة من داخل الغرفة
كانت قادمة من السلم الذي صعدوا منه
وكان هناك شخص آخر
ينزل نحوهم ببطء
انتظر الجزء القادم
![]()
