بقلم / د. فتحى عبدالحميد
كنت أكره أبي.
أو هكذا كنت أظن.لم يكن في ذاكرتي وجه مألوف له. مجرد صورة قديمة لرجل يبتسم وهو يحمل طفلة صغيرة بين ذراعيه. كنت أنا تلك الطفلة.وكلما سألت أمي عن الصورة كانت تجيب ببرود: ( كان يتظاهر … كان لا يحبك ) .
لم أكن أعرف أن بعض الأكاذيب حين تتكرر كثيرا تصبح فى الوجدان كالحقيقة. حتى مات أبي ….
فى صباح عادي كان خبر موته عاديا هو الآخر.
رسالة قصيرة ظهرت على شاشة هاتفي كما تظهر رسائل الإعلانات التي لا تخصنا. ( والدك توفي يا أمل ) . ظللت أحدق في الكلمة الأولى طويلا….
( …والدك… )
لم أشعر بشيء.
لا بكاء ولا صدمة ولا ذلك الفراغ الذي يتحدث عنه الناس عندما يفقدون أحباءهم.
ربما لأنني لم أفقد حبيبا.أو هكذا أقنعت نفسي.
ذهبت إلى بيت العزاء لأن العرف يقتضي ذلك ولأن أمي أصرت على ذهابي. حين قالت لي قبل أن نغادر:
( مهما كان اللي بيننا وبينه فهو قدام الناس أبوكى . وفي النهاية لازم تعرفي حقوقك ) .لم أفهم يومها لماذا جاءت كلمة الحقوق قبل كلمة الرحمة. لكنني لم أسأل.
كان البيت مزدحما بالوجوه والدموع والأصوات الخافتة. رجال لا أعرفهم يتحدثون عن أبي بحب. نساء يبكين وكأنهن فقدن أخا أو ابنا. استوقفني الأمر.
كيف يمكن لرجل وصفته أمي طوال حياتي بالقسوة أن يترك وراءه كل هذا الحزن؟
استقبلتني عمتي وهي تمسح دموعها وقالت: ( ادخلي يا أمل. ارتاحي في أوضة أبوكي بعيد عن الزحمة) .
كدت أرفض. لم أحب فكرة الدخول إلى غرفة رجل قيل لي طوال عمري إنه اختار أن يعيش بعيدا عني. لكنني دخلت. تفاديا للقيل والقال وكثرة السؤال .
وأغلقت الباب خلفي فى الحال.
كانت الغرفة بسيطة. سرير تقليدي ودولاب عادي وفى أحد الأركان مكتب خشبي وخلفه مكتبة ممتلئة بالكتب. وقفت في المنتصف كعادتى أتأمل كل شيء بشيء من الرهبة. ثم حدث ما لم أفهمه. شعرت بقشعريرة في جسدي. كان المكان غريبا عني لكنه لم يكن موحشا.
بل كان مألوفا على نحو أربكني. كأن قلبي سبقني إليه ذات يوم ثم نسي أن يخبرني.
اقتربت من المكتب. كانت فوقه أوراق مرتبة بعناية وأخرى مبعثرة كأن صاحبها كان يعبث بها قبل أن يرحل عنها .
مددت يدي وأمسكت بورقة مطوية. بدت حديثة. كأنها آخر ما كتبه. فتحتها. وفي أعلاها قرأت:
إلى أمل…
تجمدت أصابعي. كان اسمي. أكملت القراءة.
( يا أول فرحتي… لا أعرف إن كانت هذه الرسالة ستصل إليك يوما أم أن مصيرها سيكون كمصير أخواتها. أكتب إليك ثم أمزق ما أكتب. أخاف أن تقع كلماتي في يد من يجرحك بكلمة أو يجرحني بشفقة . لكنني اليوم متعب يا أمل. متعب من الشوق الذي لا يجد طريقه إليك ) .
شعرت بشيء يضيق في صدري. لكنني واصلت القراءة.
( ربما أخبروك أنني تركتك. لكنني لم أتركك يوما. لقد تركت الطريق الذي كانوا يريدونني أن أصل إليك منه.
لم أستطع يا ابنتي أن أقبل أن تكون رؤيتك منحة يمن بها أحد علي . لم أحتمل أن أدخل حياتك كغريب يحمل تصريحا مؤقتا ثم يخرج منها في الموعد المحدد وكأن الأبوة ساعة زيارة في سجن. فاخترت أن أبتعد بجسدي حتى لا أراك صغيرة أمامي ويقال لي إنني لا أملك حق حملك.ابتعدت.لكن قلبي لم يبتعد يوما ) .
توقفت. شعرت بأن الغرفة تضيق. ثم عدت إلى الورقة.
( كنت أحول نفقتك كل شهر . لم أتأخر يوما. وكذلك العابك وكافة احتياجاتك . كنت أدفع حتى لو اضطررت إلى الدين. حولوني إلى ماكينة صرف بينما كنت أتمنى أن أكون لك أبا. كنت أريد أن أعرف ماذا تحبين.أي الألوان تختارين. ما يؤلم قلبك. ومن يرسم الضحكة على وجهك.كنت أريد أن أحضر نجاحك وأن أراك تكبرين.وأن أسمعك تنادينني ولو مرة واحدة فقط: يا بابا ) .
سقطت الورقة من يدي.
وسقط جسدى على الكرسى الذى كان يجلس هو عليه .
يا بابا.
كلمة لم أنطق بها يوما. وللمرة الأولى بدأت دموعي تنزل دون أن أسمح لها.لكن الرسالة لم تنته. التقطتها وأنا أرتجف.
( أكتب إليك منذ سنوات. ثم أمزق ما اكتبه . لأنني لا أريد أن أجعلك ساحة لحرب لم تختاريها. وكنت أقول لنفسي إن الله سيجمعنا يوما حين تكبرين وتعرفين الحقيقة بنفسك. لا أريد منك أن تكرهي أحدا من أجلي.
ولا أريد منك أن تحبي أباك عطفا لأن والدتك وأهلها قد ظلموه. أريد فقط أن تعرفي أن هناك رجلا عاش ومات وفي قلبه طفلة اسمها أمل. وأن هذه الطفلة كانت أول حب حقيقي عرفه. فإن وصلت إليك هذه الرسالة يوما حينها أكون قد رحلت ولم يمهلنى القدر وقتا لتمزيقها . فلا تحزني لأنني رحلت. احزني فقط لأنني لم أستطع أن أضمك ولو للمرة الأخيرة. وأقسم لك يا أمل أنني ما تمنيت من الدنيا كلها شيئا كما تمنيت أن أسمعك تقولين لي: يا بابا ) .
لم أعد أرى الكلمات. اختلط الحبر بدموعي. وفي لحظة واحدة انهارت كل الصور التي رسموها في رأسي.
أمي. وجدتي.
كل كلمة سمعتها.كل مرة صدقت فيها أنه تركني. كل مرة لعنته فيها في قلبي. تذكرت أمي وهي تقول إنه لم يكن ينفق علي منذ أن تركني.وجدتي وهي تردد أنه نسينى وانشغل عنى بحياته .وتذكرت نفسي وأنا أقول أمامهما:( أنا مش عايزة أشوفه… أنا ما بحبوش )
صرخت.. ولكن .. لم تكن صرخة عادية . كان شيئا قد خرج من أعماقي بعد سنوات طويلة من الصمت : ( أنا عايزة بابا ) .
توقفت الأصوات خارج الغرفة.
صرخت مرة أخرى:( أنا ظلمت بابا )
اندفع الجميع إلى الداخل. كانت عمتي أول من دخل. وجدتني على الأرض والرسالة بين يدي. صرخت وأنا أبكي: ( أنا ما كنتش أعرف إنه بيحبني. هما قالولي إنه رماني . قالولي إنه مش بيصرف عليا . قالولي إنه نسي وجودي وانشغل بحياته ) .
حاولت عمتي الاقتراب مني فابتعدت عنها كطفلة مذعورة.
ثم قلت: ( أنا اللي قتلته ) .
قالت عمتي وهي تبكي:( لا يا حبيبتي… هو كان بيحبك وراضي عنك )
صرخت : ( لا ..أنا قتلته من القهرة لما كان عايش.
هو كان عايش ميت بسببى .قتلته في كل مرة صدقت فيها الكذب.
قتلته كل مرة كرهته فيها وهو بيحبني )
كانت أمي تقف عند الباب في ذهول.
نظرت إليها. وللمرة الأولى لم أرى فيها أمي. رأيت امرأة غريبة عني. قلت بصوت مكسور: ( أنا مش عايزة فلوس. مش عايزة ورث. أنا عايزة بابا ) .
احتضنت الرسالة إلى صدري. ثم نظرت إلى المكتب. وإلى سلة المهملات الممتلئة بأوراق ممزقة. قصاصات صغيرة احتفظ بها القدر. رسائل مزقها أبي وظن أنها انتهت. لكنه لم يكن يعرف أن بعض الكلمات لا تموت بالتمزيق. وأن بعض الرسائل قد تضل طريقها سنوات طويلة لتصل في اللحظة التي يريدها القدر.
سقطت على الأرض وأنا أصرخ للمرة الأخيرة: ( يا بابا… ) .
ثم غاب كل شيء.
وحين فتحت عيني بعد ساعات كانت الرسالة لا تزال في يدي.لكن صاحبها لم يكن معى .وصلت رسالته أخيرا. ووصلت الحقيقة. ووصل حبه الذي حاول الجميع أن يدفنوه في قلبي.
لكن أبي…لم يعد متاحا للوصول .
وعندها فقط فهمت ذلك الحنين الغامض الذي شعرت به لحظة دخولي غرفته.
لم تكن الغرفة هي التي تعرفني.
كان أبي.
كان يعرف أنني سأعود يوما.
ولذلك ترك رسالته مفتوحة فوق مكتبه.ربما نسي أن يمزقها .ربما لم يقدر على ذلك هذه المرة .
والأن أنا فى غرفة أبي ولم أغادر .ولن أعد إلى المكان الذي اختطفتني إليه أمي مستغلة قانونا جائرا .
ابقى الأن حيث كان أبي يتمنى أن أكون. لعل وجودي هنا يحقق له أمنيته. ويغفر خطيئتي معه . حتى لو فات الأوان.مازلت ممسكة برسالته
واضعها فوق صدري واهمس بالكلمة التي انتظرها عمرا كاملا:
( يا بابا…) .
![]()
