...
IMG 20260118 WA0186

 

الكاتبة عليا عجيزة

 

التاريخ: ليلةٌ غازلتها الأنوار

 

“لم تكن مجرد زاوية في غرفتي، بل كانت بوابتي السرية نحو عالمٍ موازٍ من السكينة. الليلة، وقفتُ طويلًا أمام هذه الفوانيس المتدلية، بدت لي كأنها ثمارٌ ذهبية نضجت على أغصان الأمل. الفانوس الأول من جهة اليمين يحمل وهجًا يذكرني بأول فكرة لمعت في عقلي وآمنتُ بها، والثاني يهمس لي بأن النور، مهما كان ضئيلًا، قادرٌ على كسر هيبة العتمة.

تأملتُ هذه السلاسل الرقيقة التي تمسك بالفوانيس؛ حباتُ الخرز الوردية تشبه اللحظات الجميلة في حياتنا، صغيرة، متتالية، وحين تجتمع معًا تصنع عقدًا من البهاء يشدُّ أرواحنا نحو الأعلى. هناك سحرٌ خاص في اندماج اللون الوردي مع بريق الذهب؛ إنه مزيجٌ بين الحنان والقوة، بين الرقة والخلود. الحرير المتدلي خلف المشهد، كأنه غيمة وردية احتجزت ضوء الغروب بداخلها، يمنح المكان صبغةً من الوقار الشاعري، وكأنني في انتظار موعدٍ مع قدري الجميل.

أما تلك الزهور المتفتحة في الأسفل، فهي قصائدُ لم تُكتب بعد. تنظرُ إلى الأعلى نحو الضوء، تمامًا كما نفعل نحن حين نبحث عن إجابات لأسئلتنا الوجودية. أشعر أن الشموع داخل الفوانيس ليست مجرد مصدر للإنارة، بل هي نبضاتُ قلبٍ قرر أن يظل دافئًا رغم برودة العالم المحيط. كل نقشٍ على جدران تلك الفوانيس المعدنية يحكي قصةً قديمة، ربما هي قصص الصبر التي سبقت هذا الوصول، أو ربما هي دعوات الأمهات التي تظل تحوم حولنا كالفراشات.

سأكتب في مذكراتي اليوم: ‘لا تسمح للضجيج أن يسرق منك لحظة التأمل هذه’. سأغلق عينيّ وأتخيل أنني أطير بين هذه الفوانيس، أستمد منها القوة لأواجه غدًا بقلبٍ مشرق. فمن يمتلك مثل هذا الركن من الجمال في روحه، لا يمكن لليل أن يهزمه أبدًا. سأترك القلم الآن، لكنني سأبقى جالسة هنا، أراقب تراقص الظلال على بتلات الورد، وأتعلم من الشمع كيف يكون العطاء صامتًا، وكيف يكون الوجود مضيئًا.”

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *