الكاتبه إيمان شلاش
ذهبت عليا مع نغم إلى القسم الآخر من القرية، وبمجرد عبورهم الجسر الصغير الفاصل بين القسمين، انصدمت عليا بمظاهر الخراب والبيوت المتهالكة ووجوه العجائز الشاحبة، وكأن هذا النهر يقسم القرية إلى قسم النعيم وقسم الجحيم.
كل شيء كان حزينًا، مرهقًا، متعبًا، حتى الأرض تكاد تتشقق من شدة العطش، على خلاف الأرض الثانية الزاهرة، الخضراء.
التقت عليا بأم مسعود، الخادمة الأخيرة لمنزل آل رشيد، التي لا زالت تقوم بتنظيف ذلك البيت الضخم على أمل أن يعود أحد من أهله ويعيد لهذه الأرض كرامتها.
أم مسعود: إني أشتم رائحة بشائر خير.
نغم: مرحبًا يا أمي، هذه صديقتي الجديدة، أريدك أن تتعرفي عليها.
أم مسعود: صديقة؟ ومن أين هذه الصديقة؟ هل هي من ذلك القسم الملعون؟
عليا: كيف حالك يا خالة! لا، أنا لستُ من هنا.
تقترب أم مسعود من عليا وتبدأ بتفحص ملامح وجهها عن قرب.
أم مسعود: هذه الملامح الجميلة ليست غريبة.
ترتبك عليا وتنفي أنها من هذه الأرض، لكن الحيرة لا زالت تشغل ذهن أم مسعود التي أخذت عليا واتجهت إلى منزل آل رشيد.
أم مسعود: هذا منزل آل رشيد، أسياد هذه الأرض وأصحابها.
عليا: لكن أين هم الآن؟
أم مسعود: لم يبقَ منهم أحد، لقد قتلهم جميعًا المختار أبو ورد، وقتل أغلب شباب القرية إلا الذين حالفهم الحظ وهربوا قبل أن يتم قتلهم، والحمد لله أن ابني مسعود قد نجا بجلده.
عليا: لقد سمعت العديد من القصص عن هذه القرية، لكنني لم أجد مبررًا منطقيًا لهذه الحرب والقتال.
أم مسعود: منذ موت أخت المختار، والقرية لقد نزلت عليها لعنة.
عليا: لعنة؟
أم مسعود: نعم، تلك الأشجار هي اللعنة، بعد أن قتل المختار أخته على ضفاف النهر نبتت تلك الأشجار، وأصبحت كل يوم تحرض المختار على قتلنا وارتكاب أبشع العقوبات فينا، حتى أنه منعنا من سقاية أرضنا وحاصرنا.
عليا: لكن إلى متى؟
أم مسعود: إلى أن يعود، حتى يتأكد أنه لم يبقَ أحد من نسل آل رشيد.
عليا: ربما لم يوجد أحد.
أم مسعود: لا، سوف يعود أحد منهم ويحرر هذه الأرض، هذا هو يقيني، بقيت كل يوم أنظف هذا المنزل وكأن أحدًا قادم ليسكنه، ولن أمل أبدًا.
تفكر بينها وبين نفسها عليا بأنها هي ذلك الشخص الذي عاش هؤلاء الفقراء على أمل قدومها، ولكنها لا تستطيع تقديم ما كانوا يعتقدونه، فهي لوحدها.
تغادر عليا ذلك القسم وتتجه إلى الأشجار بعد أن حل المساء.
تبدأ عليا بالصراخ: أنا هنا أيتها الأشجار اللعينة، هيا أظهري وأخبريني ماذا تريدين مني، لم أعد أخاف منك.
الأشجار: أهلًا ببنت رشيد، ألم ترحلي!
عليا: كيف سأرحل وأنتِ سرقتِ أغراضي، دعينا نعقد اتفاقًا، أعطيني أغراضي وسأرحل من هنا بلا عودة.
الأشجار: هاهاهاها، أنتِ جبانة كوالدك، تريدين الهروب بعد أن عرفتِ قصة هذه القرية، يبدو أن تلك العجائز كانت غبية كثيرًا عندما انتظروا قدومك.
عليا: أتريدين أن ينشب القتال من جديد؟
الأشجار: لن أدعك تخرجين من هذه القرية إلا وأنتِ ميتة.
عليا: إذًا اقتليني.
الأشجار: سأجعل قلبك هو من يقتلك كما قتلني قلبي، سأجعلك تموتين ألف موتة على تلك العجائز.
عليا: لن أسمح لك بذلك، وإن كان قدري أن أبقى هنا فسوف أحاربك بكل ما أستطيع.
الأشجار: سأجعلك تندمين يا ابنة رشيد. وتبدأ الأشجار بالاهتزاز وإصدار أصوات مخيفة، وتتشابك بينها لتمنع عليا من الخروج، وبصعوبة تستطيع عليا الإفلات من أغضان تلك الأشجار والهروب إلى منزل المختار.
![]()
