الكاتبة عالية عجيزة
لم يكن الموت نهاية، بل كان بداية لكابوس أعمق من باطن الأرض. استيقظتُ على برودة خانقة، ورائحة عتيقة لم تكن رائحة مسك الجنة ولا حنوط الموتى، بل كانت رائحة الخوف المعتق بالتراب. فتحتُ عينيّ على ظلمةٍ بدت وكأنها تبتلع وجودي، صرخةٌ خرساء تجمدت في حنجرتي الجافة.
ببطء، بدأ العقل يستعيد وعيه، أو بالأحرى، بدأ يستعيد أوهامه. هل أنا ميتة حقاً؟ هذا السؤال لم يكن مجرد تساؤلٍ وجودي، بل كان جوهر العقاب الذي أُنزل بي. أنا لستُ جثةً هامدة، بل أنا الحارسة المقيدة. لعنة قديمة، نُسجت خيوطها في عصور غابرة، حكمت عليّ بأن أكون القربان الذي يضمن سكون هذه المقبرة. أنا حيةٌ بما يكفي لأشعر بكل ذرة تراب تضغط على صدري، وبكل همسة للأرواح الهائمة فوقي، وميتةٌ بما يكفي لأُحرَم من ضوء الشمس للأبد.
لكن الليلة، انكسر العهد. لا أعرف كيف، لكنني شعرتُ بقوة غريبة تسري في أطرافي المتصلبة. هل هو اكتمال القمر الذي رأيته يطل بعين باردة ومستديرة من بين أغصان الأشجار العارية؟ أم هو تمرد الروح التي سئمت الدفن حياً؟
دفعتُ غطاء اللحد الروحاني، ليس بيديّ فقط، بل بكل ثقل ذكرياتي المؤلمة. خرجت يدي أولاً، تلمس الطين الرطب بلهفة وشعور بالتقزز. أمسكتُ بحافة الحفرة، وكان الألم ينخر في أظافري، ألمٌ حقيقي يثبت أنني لا زلتُ أنتمي، بطريقة ما، لعالم الأحياء.
عندما رفعتُ رأسي، لم يكن المشهد الذي رأيته هو ما توقعته. كانت شواهد القبور المصطفة في الضباب تبدو وكأنها أسنان وحشٍ عملاق يستعد لابتلاعي مرة أخرى. الأشجار المتعرجة لم تكن مجرد أغصان، بل كانت أذرع أجدادي الذين “زرعوا” هنا، يهمسون باسمي بلغة اندثرت، ويسألونني لماذا عدت.
كان هذا هو القبر الذهني. كل شاهد قبر كان يمثل ذكرى مؤلمة دفنتها يوماً: خيانة صديق، خيبة أمل، لحظة جبن… والآن، كلهن نهضن معي. أنا لم أخرج من حفرة في الأرض فقط، بل خرجتُ من رماد ذاتي المحطمة. الخوف الذي تشرّبه وجهي، والذي ظهر في عينيّ المفتوحتين على وسعهما، لم يكن خوفاً من الموت، بل خوفاً من الحياة التي توجبت عليّ مواجهتها مرة أخرى، حياة
كان الصمت في المقبرة ثقيلاً، ليس بصمت العدم، بل بصمتٍ يترقب انفجاراً. القمر في تلك الليلة لم يكن مجرد قرص ضوئي، بل كان عيناً باردة وشاحبة تراقب الأرض وكأنها تنتظر حدوث الخطيئة الكبرى. تحت هذا الضوء الفضي، اهتزت التربة فجأة، وبدأت حبات الرمل الجافة تتساقط في فجوةٍ بدأت تتسع وتتنفس.
خرجت اليد الأولى، كانت الأصابع مرتعشة، تغرز أظافرها في الطين المالح بعنفٍ ينم عن رغبة محمومة في التشبث بالوجود. لم يكن خروجاً هيناً، بل كان ولادة ثانية من رحم الأرض الضيق. ثم ظهر الوجه؛ وجهٌ شاحبٌ كشمع الذوبان، تملؤه دهشة مرعبة، وعينان واسعتان جاحظتان تعكسان ضوء القمر كمرآتين مكسورتين. كانت ملامحها تجسيداً للصرخة التي عجزت حنجرتها عن إطلاقها، صرخةٌ تجمدت في الهواء البارد قبل أن تولد.
“هل انتهى الأمر؟ أم أنه بدأ الآن؟” كان هذا السؤال يتردد في ذهنها كصدى بئر عميقة. تتذكر الظلام، تتذكر تلك البرودة التي تسللت إلى عظامها حين أطبقوا فوقها الغطاء الخشبي، ورائحة الورد الذابل التي كانت تخنق أنفاسها الأخيرة. لكن الآن، رائحة التراب الرطب كانت هي الحياة. لم تكن تشعر بالخوف من الموت بقدر خوفها من هذه “العودة”. فالأرض لا تعيد أحداً كما كان؛ الأرض تأخذ اللحم وتعطي بدلاً منه ذكرياتٍ مشوهة وسواداً يسكن الروح.
نظرت حولها، شواهد القبور كانت تقف كحراسٍ صامتين، عابسين، وكأنهم يلومونها على خرق قانون السكون. الأشجار العارية في الخلفية مدت أغصانها كأصابع هيكل عظمي عملاق يحاول لمس السماء، تهمس مع الريح بكلمات بلغات بائدة. كانت تشعر بأن كل ذرة تراب تحت أظافرها هي قصة لشخصٍ ما قد نُسي، وأنها الآن تحمل ثقل كل تلك القصص فوق كاهلها.
لم تكن تدري كم قضت من الوقت هناك، في القاع. هل كانت أياماً؟ أم قروناً؟ الزمن تحت الأرض يذوب، لا شروق ولا غروب، فقط ثقلٌ مستمر فوق الصدر. حاولت سحب جسدها للأعلى، كان جسدها ثقيلاً وكأنه مصنوع من الرصاص، كأن جاذبية الموت لا تزال تحاول شدها إلى الأسفل، تهمس في أذنها: “عودي.. هنا السكون، هناك الزحام والوجع”. لكن غريزة البقاء كانت أقوى. تلك الغريزة البدائية التي تجعل النبتة تشق الصخر لتصل للضوء، هي ذاتها التي جعلت أصابعها تنغرس في حافة القبر حتى نزفت دماً أسوداً امتزج بالطين.
حين استقرت ركبتها على الحافة، نظرت إلى السماء. القمر كان مكتملاً، وكأنه يبتسم بسخرية. أدركت في تلك اللحظة أنها ليست “عائدة” إلى عالم الأحياء، بل هي عالقة في البرزخ؛ لا الموت قبلها كضيفٍ دائم، ولا الحياة فتحت لها أبوابها من جديد. هي الآن حكاية لم تُكتمل، وجرحٌ في جدار العدم.
تلمست وجهها، كان مغطىً ببقايا طين القبر، وشعرت ببرودة الهواء تلامس جلدها لأول مرة. كانت ترتجف، ليس من البرد، بل من وطأة الوعي. الوعي بأن المرء لا يموت مرة واحدة، بل يموت في كل مرة يدفن فيها جزءاً من صدقه، وأن القبر الحقيقي ليس هو الذي تحت الأرض، بل هو ذاك الذي نبنيه حول قلوبنا ونحن نمشي بين الناس.
سكنت حركتها فجأة، وظلت تحدق في الأفق البعيد، حيث تبدأ أضواء المدينة الخافتة بالظهور. هل تعود؟ هل هناك من ينتظر “عائدة” من التراب؟ أم أن مكانها الحقيقي هو هنا، بين الشواهد الصامتة، حيث لا يكذب أحد، وحيث الحقيقة الوحيدة هي أن الكل، في النهاية، يعود إلى حضن الأرض؟
استجمعت قواها، ورفعت يدها لتغطي عينيها من ضوء القمر الذي صار فجأة لا يُطاق. كانت تلك اللحظة هي الفاصل بين العدم والوجود، لحظة قررت فيها أن تكون “الندبة” التي تذكر العالم بأن تحت كل هذا الجمال الزائف، هناك نبضٌ قديم يرفض أن يهدأ، صرخة مدفونة تنتظر ليلة مقمرة لتخرج وتقول: “أنا هنا”.
![]()
