...
IMG 20260329 WA0017

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

على ضفاف المساء، حيث تتواطأ الشمس مع الأفق لنسج خيوط الوداع الذهبية، يتجلى هذا الركن الهادئ من العالم كأنه قطعة سقطت من ذاكرة الجنة. هنا، في هذه اللوحة التي رسمتها ريشة الخيال بألوان الحنين، تلتقي السماء بالأرض في رقصة غروب أبدية، تذوب فيها الهموم كما يذوب الضوء في حضن العتمة الوشيكة.

تبدأ الحكاية من ذلك الممر المرصوف بحصى الحلم، طريقٌ متعرج يشبه مسارات العمر، يدعوك بلطف لتترك خلفك ضجيج المدن الصاخبة، وتخطو نحو عمق السكينة. وعلى جانبي الطريق، تصطف تيجان الزهور كحراس للجمال، ترفع رؤوسها في أعمدة بيضاء شاهقة، كأنها قناديل من عطر تضيء عتمة الروح قبل أن يحل الليل. ألوانها الزاهية، من الوردي القاني إلى الأصفر الصريح، ليست مجرد ألوان، بل هي لغات هامسة تروي قصص الحب التي لم تُحك بعد، وتغني مع الرياح العليلة ألحانًا لا يسمعها إلا من ألقى السمع وهو شهيد.

وفي قلب هذه الجنة المصغرة، تتأرجح تلك الأريكة الدائرية المعلقة بجدائل من نور وخيال. إنها ليست مجرد مقعد، بل هي محارةٌ تحتضن لؤلؤة الأحلام. تتوسدها الوسائد المطرزة بعبق الورد، وتلتحف بوشاح وردي ناعم، بانتظار غريب آتٍ من تعب الحياة ليغرق في بحر طمأنينتها. هناك، وسط هذا العش الورقي، يتوقف الزمن عن الركض، وتكف الساعات عن الدوران، ليصبح الحاضر هو الأبدية الوحيدة الممكنة.

إن هذا المكان يعيد صياغة مفهوم الوجود؛ فهو يهمس لنا بأن السعادة لا تسكن القصور الشاهقة، بل تختبئ في زاوية ريفية يداعبها نسيم الغروب. هنا، ندرك بعمق أن في كل غروب وعدًا خفيًا بفجر جديد، وفي كل زهرة تتفتح بين الصخور قصة أمل وحياة تتحدى العدم. إنه الملاذ الذي نهرب إليه كلما أثقلتنا القيود، لنملأ رئاتنا برائحة التفاؤل، ونستعيد تلك الطفولة المفقودة التي كانت ترى في الفراشة معجزة، وفي الحديقة كونًا بأسره.

هنا، يذوب الفاصل بين الواقع والخيال، وتصبح النفس مرآة لصفاء الطبيعة. تتمايل الأشجار بأغصانها المزينة بمصابيح صغيرة تشبه النجوم القريبة، لتمحي الحدود بين الأرض والسماء. في هذا الركن، تستسلم الروح لسطوة الجمال، وتعلن تصالحها مع الكون، مدركةً أن الجمال الحقيقي هو ذلك الذي يمنحنا القدرة على الحلم من جديد، وسط عالم لا يتوقف عن النسيان.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *