الكاتبة عاليا عجيزة
مطأطأة الرأس، منزوِيَة الشفتين، تمشي بكتفين منحنيين كأنها تحمل ثقل الطريق كله فوقهما. لم تكن المسافة هي ما يرهقها، بل تلك الذكرى القريبة لشقتها القديمة التي غادرتها قسراً؛ رائحة الياسمين التي استبدلتها برطوبة هذا الحي الغريب، والديون التي طاردتها حتى ألجأتها لهذا “القبر” الرخيص في نهاية الطريق.
(طق.. طق.. طق)؛ كان صوت اصطدام قدميها بالماء الموحل يقرع طبلة أذنها بتوترٍ متصاعد. إيقاعٌ رتيب ومزعج لم يحتمله قلبها المجهد، لتنهار فجأة في منتصف الشارع؛ انفجر نحيبها المكتوم معلناً عن استياءٍ يفوق قدرتها على الاحتمال. ملامح الحزن كست وجهها، فبدلت تفاصيل ذاك الجمال الراقي الذي قلما تصادفه في رحلتك، وانهمرت قطرات اللؤلؤ على وجنتيها لتزيد توردها، تماماً كقطرات الندى حين تحتضن أوراق الشجر في فجرٍ حزين.
بين الحين والآخر، كانت تختلس نظراتٍ خاطفة لما حولها، محاذرةً بشدة ألا تلتفت لذاك “المنزل المهيب” الذي يتوسط الطريق. كان ينتابها خوفٌ فطري منه؛ خوفٌ تغذى على ما استمعت إليه من حكايات الناس، وعن تلك “القصاصة الورقية” الصفراء التي تخبئها في حقيبتها كجريمة، والتي تتحدث عن اختفاء عائلة كاملة من خلف تلك الجدران في الثمانينيات.
![]()
