بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم تكن تلك الليلة تشبه أي ليلة أخرى في الأقصر
كان الهدوء يخيّم على المنطقة المحيطة بوادي الملوك والجبال الصخرية الضخمة تحيط بالمكان من كل جانب كأنها أسوار طبيعية تخفي خلفها أسرارًا ظلت مدفونة آلاف السنين
لم يكن هناك شيء يتحرك في الظلام سوى ضوء مصباح صغير يظهر ويختفي بين الصخور
كان صاحبه رجلًا في منتصف الأربعينات من عمره
طويل القامة هادئ الملامح يحمل في يده ملفًا جلديًا قديمًا وعلى كتفه حقيبة صغيرة لم يكن يسمح لأحد بالاقتراب منها
كان الجميع يعرفه باسم الدكتور أبو الحمد
لكن اسمه الذي ارتبط لسنوات طويلة بأعمال التنقيب والدراسات الأثرية كان
الدكتور مصطفى الصعيدي
رئيس البعثة الاستكشافية
الرجل الذي قضى سنوات من عمره بين المقابر والمعابد والبرديات حتى أصبح قادرًا على قراءة تفاصيل صغيرة في الحجر لا يلاحظها أغلب الباحثين
وقف الدكتور مصطفى أمام مدخل صخري صغير لم يكن واضحًا من بعيد
أخرج من جيبه صورة قديمة
نظر إليها طويلًا
ثم رفع عينيه نحو الجبل
وقال بصوت منخفض
“أخيرًا لقيتك”
لم يكن يتحدث إلى شخص
كان يتحدث إلى المكان
اقترب من المدخل وأضاء مصباحه
كانت هناك علامات غريبة محفورة على الجدار
لم تكن كتابة واضحة
ولم تكن من النقوش المعتادة التي اعتاد رؤيتها في المقابر
لكن الدكتور مصطفى عرف شيئًا واحدًا
هذه العلامات لم تكن عشوائية
مد يده نحو الحجر لكنه توقف قبل أن يلمسه
ثم سحب يده بسرعة
تغيرت ملامحه
كان قد رأى شيئًا لم يكن يتوقعه
علامة صغيرة جدًا في أسفل الجدار
علامة تشبه عينًا يحيط بها شكل دائري وتحتها أربعة خطوط متقاطعة
أخرج دفتره بسرعة وبدأ يرسم العلامة
ثم كتب بجانبها
“ليست علامة حماية”
وتوقف
ظل ينظر إليها
ثم أضاف
“علامة تحذير”
أغلق الدفتر
وفي تلك اللحظة
سمع صوتًا خلفه
التفت بسرعة
لم يكن هناك أحد
ظل واقفًا لثوانٍ
ثم سمع الصوت مرة أخرى
هذه المرة كان أوضح
صوت احتكاك حجر بحجر
نظر إلى المدخل
كان جزء من الجدار يتحرك ببطء
تراجع خطوة
ثم خطوتين
وبدأت كتلة حجرية كبيرة تنزلق إلى الداخل لتكشف عن ممر ضيق مظلم
لم يدخل الدكتور مصطفى
ظل واقفًا أمامه
كان وجهه شاحبًا
لأنه لم يكن يتوقع أن يكون خلف الجدار شيء من الأساس
أخرج هاتفه
نظر إلى الساعة
ثم اتصل بأحد الأشخاص
جاءه صوت شاب من الطرف الآخر
“أيوه يا دكتور مصطفى”
قال الدكتور
“محمد اصحى”
ضحك الشاب بنعاس
“يا دكتور إحنا بقالنا يومين بنشتغل من الصبح للليل”
جاء صوت الدكتور هذه المرة أكثر جدية
“أنا لقيت حاجة”
ساد الصمت
ثم قال محمد
“لقيت إيه”
لم يجب الدكتور مباشرة
نظر إلى الممر
ثم قال
“المكان اللي كنا بندور عليه”
اختفت نبرة النعاس من صوت محمد
“متأكد”
أجاب الدكتور
“أكتر مما تتخيل”
ثم أغلق الهاتف
ظل واقفًا أمام الممر
لكن لم يكن يعرف أن تلك الجملة لم تكن تحذيرًا له وحده
بل كانت بداية كل شيء
—
بعد ثلاثة أيام
وصل ثلاثة شباب إلى مقر البعثة
كان أولهم محمد عبد المحسن
باحث في بداية حياته العلمية في منتصف العشرينيات لكنه كان يتمتع بذكاء شديد وقدرة كبيرة على تحليل النقوش والوثائق القديمة
كان يحمل حقيبة مليئة بالكتب والأوراق ويبدو عليه الحماس أكثر من الخوف
أما الثاني فكان عبد الرحمن شعبان
خريج حديث التخرج تم اختياره ضمن فريق البعثة بعد أن لفت انتباه الدكتور مصطفى أثناء مقابلة سابقة
كان عبد الرحمن مختلفًا عن محمد
محمد كان يسأل عن العلم
أما عبد الرحمن فكان يسأل عن القصة التي وراء العلم
كان يريد أن يعرف لماذا بُني المكان
ولماذا أخفى المصري القديم شيئًا معينًا
ولماذا ترك وراءه رسالة بدلًا من أن يترك مجرد نقش
أما الشاب الثالث فكان أحمد محمد
خريج حديث التخرج أيضًا
وكان أكثرهم اندفاعًا
دخل المكان وهو يحمل حقيبته على كتفه وقال وهو ينظر حوله
“هو إحنا هنشتغل هنا بجد”
ابتسم محمد وقال
“أيوه”
رد أحمد
“يعني هننام هنا كمان”
ضحك عبد الرحمن
لكن الدكتور مصطفى لم يضحك
كان واقفًا أمامهم
ينظر إلى الثلاثة واحدًا تلو الآخر
ثم قال
“من النهارده أنتم مش مجرد أفراد في بعثة”
صمت قليلًا
“أنتم جزء من حاجة ممكن تغير حياتكم كلها”
نظر أحمد إلى محمد
ثم إلى عبد الرحمن
وقال
“إيه هي الحاجة دي”
اقترب الدكتور مصطفى منهم
وقال
“قبل ما أقولكم لازم تتفقوا معايا على حاجة”
سأله محمد
“إيه”
قال الدكتور
“أي حاجة تشوفوها هنا ما تتكلموش عنها بره”
رد عبد الرحمن
“ليه”
نظر إليه الدكتور مباشرة
وقال
“لأن اللي بندور عليه مش مجرد مقبرة”
ساد الصمت
أكمل
“إحنا بندور على سر”
قال أحمد
“سر إيه”
فتح الدكتور مصطفى حقيبته
أخرج منها مجموعة صور
وضعها على الطاولة
اقترب الشباب الثلاثة
كانت الصور لنقوش حجرية وممرات وعلامات غير واضحة
ثم وضع صورة أخيرة أمامهم
تغير وجه محمد
قال
“دي مش كتابة جنائزية”
ابتسم الدكتور ابتسامة صغيرة
“عشان كده اخترتك”
اقترب عبد الرحمن من الصورة
كانت هناك أربع علامات محفورة داخل إطار حجري
قال
“والأربع علامات دول معناهم إيه”
نظر الدكتور مصطفى إليه
وقال
“دي المشكلة”
ثم أخرج ورقة قديمة
كانت مليئة بملاحظات مكتوبة بخط اليد
وقال
“لأن كل ترجمة حاولنا نعملها للنقش وصلت لنفس المعنى”
سأله أحمد
“إيه المعنى”
رفع الدكتور عينيه عن الورقة
وقال
“انتقام العظماء”
ضحك أحمد بتوتر
“يعني إيه انتقام العظماء”
لم يضحك أحد هذه المرة
قال الدكتور
“لسه ما نعرفش”
ثم أضاف
“لكننا نعرف إن العلامة دي ظهرت في أكثر من مكان”
سأل محمد
“فين”
قال الدكتور
“وادي الملوك”
ثم وضع أمامهم خريطة
“وفي مقابر معينة في البر الغربي”
وأشار إلى أكثر من نقطة
ثم قال
“والأخطر”
توقف
“إن كل مكان ظهرت فيه العلامة حصل فيه شيء”
سأل عبد الرحمن
“إيه اللي حصل”
نظر الدكتور مصطفى إلى الباب
ثم قال
“اختفى أشخاص”
سكت الجميع
أحمد حاول أن يضحك
“اختفوا إزاي”
رد الدكتور
“اختفوا”
ثم أضاف
“من غير أثر”
نظر محمد إلى الأوراق
وقال
“إحنا داخلين على إيه بالضبط”
لم يجب الدكتور
بل أخرج صورة أخيرة
كانت صورة لباب حجري ضخم
وعلى الباب نفس العلامة
لكن هذه المرة كانت هناك جملة مكتوبة أسفلها
قرأها محمد بصوت منخفض
“من يوقظ ما نام تحت الرمال”
توقف
رفع عينيه
“الباقي مش واضح”
أكمل الدكتور مصطفى
“لأن الجزء الأخير مكسور”
قال عبد الرحمن
“وإنت متأكد إننا نقدر نعرف الباقي”
نظر إليه الدكتور
وقال
“أنا متأكد إننا لازم نعرفه”
ثم وضع يده على الصورة
“لأن الباب ده هو هدف البعثة”
سأل أحمد
“فين الباب”
أجاب الدكتور
“تحت الأرض”
سأل محمد
“يعني مقبرة”
قال الدكتور
“لا”
صمت
ثم قال
“شيء أقدم”
—
في تلك الليلة
لم يستطع عبد الرحمن النوم
كان الجميع داخل مقر البعثة
لكن عقله ظل منشغلًا بكلام الدكتور مصطفى
خرج إلى الخارج
كان الهواء باردًا
والجبال تبدو في الظلام كأنها أجسام ضخمة تحرس المكان
جلس عبد الرحمن على صخرة قريبة
وفجأة
سمع صوتًا
التفت
لم ير أحدًا
عاد الصوت
هذه المرة كان أقرب
خطوات
بطيئة
تقترب من خلفه
وقف عبد الرحمن
“مين هناك”
لا إجابة
أمسك مصباحه
دار حول نفسه
لا أحد
ثم لمح شيئًا على الأرض
اقترب
كان حجرًا صغيرًا
انحنى والتقطه
تجمد
كانت محفورة عليه نفس العلامة التي رآها في الصور
علامة العين
والأربعة خطوط
لكن هذه المرة كان هناك شيء آخر
حرف واحد
حرف لم يكن موجودًا في الصور
حرف يشبه بداية اسم
رفع عبد الرحمن الحجر أمام المصباح
وفجأة
سمع صوتًا من خلفه
صوت رجل يهمس
“عبد الرحمن”
سقط الحجر من يده
استدار بسرعة
لا أحد
ركض نحو مقر البعثة
فتح الباب بعنف
كان محمد وأحمد ما زالا مستيقظين
نظر محمد إليه وقال
“مالك”
لم يجب عبد الرحمن
ظل يلهث
ثم قال
“حد نده عليا”
ضحك أحمد
“مين”
نظر عبد الرحمن إلى الباب
وقال
“ماعرفش”
ثم نظر إلى الدكتور مصطفى الذي كان واقفًا في آخر الغرفة
وكان وجهه قد تغير تمامًا
اقترب الدكتور منه
وقال بصوت منخفض
“إنت سمعت صوتك”
هز عبد الرحمن رأسه
“لأ”
قال الدكتور
“مش صوتك”
صمت لحظة
ثم سأل
“الصوت قال اسمك”
قال عبد الرحمن
“أيوه”
تراجع الدكتور خطوة
وكأنه تأكد من شيء كان يخشاه
ثم قال
“يبقى هي بدأت”
سأله محمد
“إيه اللي بدأ”
لم يجب الدكتور
بل نظر إلى الحجر الموجود في يد عبد الرحمن
ثم قال
“الليلة دي”
توقف
“ماحدش يخرج من المكان”
وفي اللحظة نفسها
انطفأت جميع الأنوار
ثم جاء صوت ارتطام قوي من أعماق الجبل
صوت واحد
ثم صوت ثانٍ
ثم ثالث
وبعدها
بدأ شيء ما يطرق من الداخل
ثلاث طرقات بطيئة
دَق
صمت
دَق
صمت أطول
ثم
دَق
نظر الأربعة إلى بعضهم
ولم يكن أي واحد منهم قادرًا على الكلام
لأن الصوت لم يكن قادمًا من الخارج
كان قادمًا من أسفل أقدامهم مباشرة
انتظر الجزء القادم
![]()
