...

الهيكل

مارس 26, 2026
IMG 20260326 WA0005

 

 

الكاتب د. محمود لطفي

 

“كم أتلذذ بدموع وحسرة أبي على زوجته الشابة وفقدانه إياها؟ وكيف لا أفرح وأملأ الدنيا فرحًا وتهليلًا ولقد كانت هي السبب الرئيسي في وفاة أمي بحسرتها؟ أعلم أن الأعمار بيد الله وأعلم أن لا أحد يموت إلا بفراغ أجله وأعلم أن الموت هو الحقيقة الوحيدة في دنيا الزيف وأن البشر لا يستأخرون ولا يستقدمون وأنها لحظة محددة وميقات دقيق وضع لكل بشر قبل حتى أن يصبح جنينًا في رحم أمه، ولكني أطبق مبدأ الأخذ بالأسباب، فمنذ عملت تلك الفتاة مع أبي واستطاعت بطرقها المشروعة وغير المشروعة النيل من أبي في كل شيء والتحكم في مقاليد الأمور جمعاء من منزل ومكتب ومحلات، حتى أمي -رحمة الله عليها- اعتمدت عليها وعاملتها كابنة لها وبنية حسنة، لكنها ملكت عقل أبي وتزوجته، بل الأدهي أنها جعلته يطلق أمي وينفصل عنها بعد مشوار دام لربع قرن، وانتهى الأمر بأمي جثة هامدة قتلتها الأمراض والحسرة… ألا يكفي هذا لأنتقم منها شر انتقام؟

نعم، أثناء إحدى سفريات أبي الخارجية قتلتها، وتفننت مع أخي الطيب، فجعلناها تحت تأثير مادة مخدرة، ثم أذاب أخي وصديقه جثتها بالأحماض بطريقة ما، واستطاعوا استخلاص هيكلها العظمي كاملًا، والمضحك في الموضوع أن أبي دائمًا يرى هيكلها العظمي، وبعد أن يبسمل ويقرأ آية الكرسي يربت على كتف أخي متمنيًا له التفوق والنجاح، ولحسن الحظ لم يلحظ ابتسامة أخي ولم يسمعنا حتى الآن ونحن نطلق على هيكلها العظمي اسم منيرة، والآن كلما زرت قبر أمي أصبحت لا أبكي كما كنت بادئ الأمر، بل أصبحت أشعر براحة ربما نابعة من راحة تشعر بها هي نتيجة انتقامنا لها وثأرنا من منيرة، وبالأمس لاحظت شيئًا غريبًا لم أعره اهتمامًا، لاحظت أن أخي أصبح لديه هيكلان عظميان، واحد لمنيرة وآخر كنت أجهله، حتى مر يومان ولاحظت تكرار اختفاء أبي عن المنزل، وكلما سألت أخي قال: الغائب حجته معه، وكلما هاتفت أبي وجدت هاتفه مغلقًا، وكلما طلبت من أخي إبلاغ الشرطة يتهرب بحجج واهية، وأخيرًا تحققت حينما سمعته يحدث صديقه ويطلق اسم أبي على الهيكل الآخر، وحينما واجهته قال: لا أريد له أن يجتمع بأمي في الآخرة بل يجتمع بمنيرة، واقتنعت بكلام أخي، ومنذ تلك اللحظة وكلما زرت قبر أمي أشعر بازدياد الراحة، ولكن ما أخشاه أن يعرف أخي الحقيقة يومًا ما، أنني أنا من قتلت أمي حينما علمت أن أبي ليس أبيه، وأنني ابن خطيئة، وأن أبيه هو من صان السر وحفظه ورباني كما أكون ولده، وأن أمي هي من طلبت منه أن يتزوج من منيرة حينما تملكها المرض وشعرت بدنو الأجل، فحينها سيكون لأخي هيكل ثالث يحمل اسمي.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *