...
IMG 20260811 WA0094

 

 

بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

ظل الجميع ينظرون إلى الورقة المعلقة بالسهم في صمت.
لم يتحرك أحد.
حتى صوت المطر الذي كان يضرب زجاج النوافذ بدا وكأنه ابتعد فجأة، تاركًا خلفه ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق عادةً شيئًا أسوأ.
اقترب آدم من الطاولة ببطء.
مد يده نحو الورقة، لكن أمينة أمسكت بذراعه بسرعة.
قالت بحزم:
“لا تلمسها.”
نظر إليها باستغراب.
“لماذا؟”
أجابته وهي تحدق في السهم:
“لأن من أرسلها يريدك أن تفعل ذلك.”
سحب آدم يده.
نظر إلى الورقة من جديد.
ثم قال بغضب:
“كفى!”
التفتت إليه أمينة.
صرخ:
“أنا تعبت من كل هذا! منذ أن دخلت ليان إلى ذلك المقهى وأنا لا أفهم شيئًا. رجل يظهر فجأة ويقول إن والدي لم يمت في حادث، وأشخاص يطاردوننا، والآن رسالة تهديد داخل منزلك!”
صمت لحظة.
ثم أضاف:
“أريد الحقيقة.”
كانت ليان تنظر إليه بصمت.
رأت في عينيه شيئًا لم تره من قبل.
لم يكن الخوف وحده…
بل كان هناك وجع رجل عاش سنوات طويلة وهو يظن أنه يعرف قصة والده، ثم اكتشف فجأة أن كل ما صدقه ربما كان كذبة.
اقتربت منه بهدوء.
وقالت:
“آدم…”
نظر إليها.
“أنا كمان عايزة أعرف الحقيقة.”
كانت كلماتها بسيطة، لكنها جعلته يهدأ قليلًا.
أمينة التي كانت تراقبهما من بعيد، لم تستطع أن تخفي ابتسامة صغيرة.
قالت:
“الوقت ليس في صالحنا.”
ثم اقتربت من النافذة، وأغلقت الستارة بإحكام.
“الذين يبحثون عنكما لم يكونوا يريدون أن تجتمعا الليلة.”
سأل آدم:
“ولماذا؟”
نظرت إليه.
“لأن اجتماعكما معًا يعني أن السر الذي حاولوا إخفاءه لسنوات بدأ يظهر من جديد.”
قالت ليان:
“أي سر؟”
أخذت أمينة نفسًا عميقًا.
ثم فتحت الصندوق مرة أخرى، وأخرجت الظرف القديم.
وضعته أمام آدم.
“والدك ترك لك هذه الرسالة.”
مد آدم يده نحو الظرف.
لكن قبل أن يفتحه…
توقفت يده.
كان اسمه مكتوبًا على الظرف بخط والده.
إلى آدم… عندما تقابلها.
رفع آدم عينيه ببطء.
نظر إلى ليان.
ثم عاد إلى الظرف.
قال بصوت خافت:
“عندما أقابل من؟”
أجابته أمينة:
“هي.”
نظر إلى ليان.
تغيرت ملامحها.
قالت:
“هل كان والدك يعرف أنني سأظهر في حياتك؟”
لم تجب أمينة.
وهنا بدأ آدم يشعر بأن هناك شيئًا أكبر بكثير مما يتخيله.
فتح الظرف.
أخرج ورقة واحدة.
كانت الكلمات قليلة.
قرأها بصوت مرتجف:
“يا بني…
إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا.
ولا تبحث عن قاتلي.
لأنك إذا بحثت عنه…
ستجد نفسك تبحث عن شخصٍ تحبه.”
توقفت أنفاس آدم.
رفع عينيه عن الورقة.
كانت ليان تنظر إليه.
قالت:
“ماذا يعني هذا؟”
لم يجب.
أعاد النظر إلى الرسالة.
وكان هناك سطر أخير لم يقرأه بعد.
تردد للحظة…
ثم تابع:
“والفتاة التي ستلتقي بها في ليلة ممطرة…
هي مفتاح كل شيء.”
سقطت الورقة من يده.
تراجعت ليان خطوة إلى الخلف.
قالت بصوتٍ مرتجف:
“أنا؟”
وقبل أن يجيب آدم…
صدر صوت من هاتفه.
نظر إليه.
كانت رسالة جديدة من رقم مجهول.
فتحها.
كانت تحتوي على صورة واحدة فقط.
صورة لآدم وليان…
وهما يدخلان منزل أمينة قبل دقائق.
وتحت الصورة جملة قصيرة:
“والآن… بدأت اللعبة الحقيقية.”
نظر آدم إلى ليان.
وفي اللحظة نفسها…
سمعا صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.
ثم طرقًا هادئًا على الباب.
ثلاث طرقات فقط.
طرقة…
ثم ثانية…
ثم ثالثة.
تجمدت أمينة في مكانها.
نظر إليها آدم وقال:
“من هذا؟”
رفعت عينيها إليه، وكان الخوف واضحًا في وجهها لأول مرة.
ثم همست:
“الشخص الوحيد الذي كنت أتمنى ألا يعود.”
انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *