...

أغسطس 17, 2026
IMG 20260811 WA0095

 

 

بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

بقيت الطرقات الثلاث تتردد في أرجاء المنزل…
طرقة…
ثم صمت.
طرقة ثانية…
ثم صمت أطول.
أما الثالثة، فقد كانت كافية لتجعل قلب ليان يخفق بعنف.
كانت تقف بجوار آدم، تنظر إلى الباب المغلق، بينما بقيت أمينة في مكانها لا تتحرك.
قال آدم بصوت منخفض:
“أمينة… من الموجود خلف الباب؟”
لم تجبه.
اقترب منها خطوة.
“أنا سألتك.”
رفعت عينيها إليه، وقالت:
“لا تفتح الباب.”
نظر آدم نحو الباب.
“لكننا لا نعرف من هو.”
قالت بسرعة:
“وأنا أعرف.”
تدخلت ليان:
“من؟”
أغمضت أمينة عينيها للحظة، وكأنها تستجمع شجاعتها.
ثم قالت:
“اسمه فارس.”
تغير وجه آدم.
“ومن فارس؟”
نظرت إليه أمينة.
“الرجل الذي كان موجودًا في حياة والدك قبل أن تموت.”
ساد الصمت.
ثم عاد الطرق على الباب.
هذه المرة كان أقوى.
صرخت أمينة:
“لا تفتح!”
لكن آدم لم يستمع.
تقدم نحو الباب.
أمسكت ليان بيده فجأة.
توقف.
نظر إليها.
كانت عيناها مليئتين بالخوف.
قالت:
“آدم… لا تذهب.”
كانت هذه أول مرة تناديه باسمه بهذه الطريقة.
لم يكن في صوتها خوف على نفسها فقط…
كان هناك خوف عليه.
نظر إلى يدها التي تمسك يده.
ثم قال بهدوء:
“لن أتركك.”
ارتبكت ليان، وتركت يده ببطء.
لكن كلمات آدم بقيت عالقة في قلبها.
لن أتركك.
كانت جملة بسيطة…
إلا أنها شعرت بها وكأنها وعدٌ أكبر من مجرد لحظة خوف.
اقترب آدم من الباب.
قال:
“من أنت؟”
جاءه صوت رجل من الخارج:
“أنت تعرفني أكثر مما تتخيل.”
تجمد آدم.
كان الصوت غريبًا…
ومع ذلك شعر بشيء مألوف فيه.
نظر إلى أمينة.
فقالت له بسرعة:
“لا تتحدث معه.”
لكن الرجل خلف الباب قال:
“أمينة… ما زلتِ تخافين من الحقيقة؟”
تغير وجهها.
قالت:
“فارس… ارحل.”
ضحك الرجل من خلف الباب.
“بعد كل هذه السنوات… ما زلتِ تظنين أن بإمكانك إخفاء الحقيقة عنهما؟”
نظر آدم إلى أمينة.
“عنهما؟”
ثم التفت إلى ليان.
“ماذا يقصد؟”
لم تجب.
اقترب صوت الرجل من الباب.
“افتح يا آدم.”
قال آدم:
“كيف تعرف اسمي؟”
ساد صمت قصير.
ثم جاء الرد:
“لأنني كنت هناك يوم وُلدت.”
اتسعت عينا آدم.
أما ليان، فشعرت ببرودة تسري في جسدها.
قالت:
“أمينة… افتحي الباب.”
صرخت أمينة:
“لا!”
لكن آدم قال بحزم:
“كفى!”
استدارت إليه.
قال:
“لن أعيش بقية حياتي وأنا أهرب من أسئلة لا أجد لها إجابات.”
ثم أضاف:
“إن كان هذا الرجل يعرف شيئًا عن أبي… فسأسمعه.”
اقترب آدم من الباب.
وضع يده على المقبض.
وقبل أن يديره…
قالت أمينة:
“آدم…”
توقف.
نظر إليها.
قالت بصوت مكسور:
“إذا فتحت هذا الباب… فلن تعود حياتك كما كانت.”
نظر آدم إلى ليان.
كانت تقف خلفه.
لم تقل شيئًا.
لكن عينيها قالتا كل شيء.
كانت خائفة…
ومع ذلك لم تطلب منه أن يرحل.
فتح آدم الباب.
دخل رجل في أواخر الخمسينيات من عمره.
كان طويلًا، يرتدي معطفًا أسود، ويحمل في يده مظلة مبللة.
لكن أكثر ما لفت انتباه آدم…
كانت عيناه.
توقف الرجل أمامه.
نظر إليه طويلًا.
ثم قال:
“كبرت يا آدم.”
شعر آدم بقشعريرة في جسده.
قال:
“أنت فارس؟”
أومأ الرجل.
ثم نظر خلف آدم.
وقعت عيناه على ليان.
وفي اللحظة التي رآها فيها…
تغيرت ملامحه.
توقف تمامًا.
سقطت المظلة من يده.
وهمس:
“مستحيل…”
اقتربت ليان خطوة.
“ماذا؟”
ظل فارس ينظر إليها، وكأن وجهها أعاد إليه ذكرى دفنها منذ سنوات.
ثم قال:
“أنتِ…”
توقفت أنفاسه.
“أنتِ ابنة الرجل الذي قتل والد آدم.”
ساد الصمت.
تجمد آدم.
أما ليان، فلم تستوعب الكلمات.
قالت:
“ماذا قلت؟”
اقترب آدم من فارس.
“أعد كلامك.”
نظر فارس إليه.
“قلت إن والدها هو…”
قاطعه آدم بعنف:
“لا تكمل.”
لكن ليان كانت قد فهمت.
تراجعت إلى الخلف.
نظرت إلى آدم.
كانت الدموع تملأ عينيها.
“آدم…”
لم يجب.
قالت:
“والدي… قتل والدك؟”
ظل آدم صامتًا.
كان عقله يرفض تصديق ما يسمعه.
قبل دقائق فقط…
كان يشعر أنه وجد الشخص الذي قد يكون قدره.
والآن…
ظهر سر يجعل وجودها في حياته يبدو وكأنه أكبر مأساة يمكن أن تحدث له.
قال فارس:
“الحقيقة ليست كما تظنان.”
صرخت ليان:
“إذن قل الحقيقة!”
نظر فارس إليها.
ثم قال:
“والدك لم يقتل والد آدم.”
تنفس آدم ببطء.
لكن فارس أكمل:
“والدك هو الشخص الذي اعترف بالجريمة.”
تراجعت ليان خطوة أخرى.
قالت:
“اعترف؟”
أومأ فارس.
ثم نظر إلى آدم.
“لكن الرجل الذي ارتكب الجريمة فعلًا… كان شخصًا آخر.”
سأله آدم:
“من؟”
رفع فارس عينيه نحو أمينة.
وفي تلك اللحظة…
أدرك آدم أن أمينة تعرف الإجابة.
اقترب منها.
“أنتِ تعرفين.”
لم تجب.
صرخ:
“أنتِ تعرفين من قتل أبي!”
أغمضت أمينة عينيها.
ثم قالت:
“نعم.”
نظر آدم إليها.
فأضافت:
“وأعرف أيضًا لماذا فعل ذلك.”
توقفت للحظة.
ثم نظرت إلى ليان.
“لكن إذا أخبرتكما الآن…”
اقترب آدم منها.
“ماذا؟”
قالت أمينة بصوت خافت:
“ستعرفان أن الرجل الذي قتل والدك يا آدم… كان يحاول حمايتك.”
وقبل أن يستوعب آدم كلماتها…
انطفأت أنوار المنزل مرة أخرى.
وفي الظلام…
صرخ فارس:
“انبطحوا!”
دوى صوت طلقة نارية.
ثم سقط أحدهم على الأرض.
انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *