بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يعرف آدم من الذي سقط على الأرض.
كل ما سمعه كان صوت ارتطام جسد بشيءٍ ما، ثم صوت ليان وهي تصرخ في الظلام.
“آدم!”
اندفع نحوها بشكلٍ تلقائي.
أمسك بيدها، وسحبها إلى الأسفل.
“انزلي!”
انحنت ليان بجواره، بينما كان فارس يتحرك بسرعة داخل المنزل، محاولًا الوصول إلى النافذة التي جاءت منها الطلقة.
أما أمينة، فكانت واقفة في مكانها، وكأنها تعرف تمامًا أن ما يحدث لم يكن مجرد محاولة لإخافتهم.
أضاء آدم هاتفه.
نظر حوله.
ثم رأى فارس ملقى على الأرض.
تجمد للحظة.
“فارس!”
اقترب منه.
لكن الرجل رفع يده بصعوبة.
“أنا بخير…”
نظر آدم إلى كتفه.
كان الدم يخرج من جرحٍ سطحي.
قال فارس:
“الطلقة أصابتني في كتفي فقط.”
تنفست ليان الصعداء.
لكن أمينة صاحت فجأة:
“لا وقت لدينا!”
نظر الجميع إليها.
أشارت إلى الباب الخلفي.
“سيعودون.”
قال آدم:
“من؟”
ردت:
“الذين أطلقوا النار.”
ثم نظرت إلى فارس.
“وأنت تعرف أنهم لن يتوقفوا.”
وقف فارس بصعوبة.
قال:
“علينا أن نخرج من هنا.”
نظر آدم إلى أمينة.
“وأنتِ؟”
اقتربت منه.
وضعت مفتاحًا صغيرًا في يده.
وقالت:
“خذ هذا.”
نظر إليه.
“ما هذا؟”
أجابته:
“مفتاح مكانٍ لن يبحثوا عنكم فيه.”
سألها:
“وأنتِ لن تأتي معنا؟”
هزت رأسها.
“لو خرجت معكم، سيتأكدون أنكم معي.”
قال آدم:
“لكنهم يعرفون أننا هنا بالفعل.”
ابتسمت أمينة بحزن.
“هم يعرفون أنكم هنا… لكنهم لا يعرفون إلى أين ستذهبون.”
تدخلت ليان:
“وأنتِ؟”
نظرت أمينة إليها طويلًا.
ثم اقتربت منها وأمسكت بيدها.
قالت:
“أنتِ بالذات… لا تثقي في أي شخص بسهولة.”
سألت ليان:
“حتى آدم؟”
ساد الصمت.
نظر آدم إليها.
أما أمينة، فاكتفت بابتسامة غامضة.
“قلت أي شخص.”
ثم ابتعدت عنها.
شعر آدم بشيءٍ غريب.
لم يفهم لماذا قالت أمينة ذلك.
لكنه لم يملك وقتًا للتفكير.
كان عليه أن يخرج بليان من المكان.
خرج الثلاثة من الباب الخلفي.
كان المطر قد خف قليلًا، لكن الشوارع بقيت مبللة وباردة.
تقدم فارس بصعوبة، بينما سار آدم بجوار ليان.
وبعد دقائق…
توقف فارس أمام سيارة قديمة كانت متوقفة في شارع جانبي.
فتح الباب.
وقال:
“اركبوا.”
جلس آدم في المقعد الخلفي بجوار ليان.
أما فارس فجلس خلف عجلة القيادة.
تحركت السيارة بسرعة هادئة في البداية.
ظل آدم ينظر من النافذة.
كان يرى منزل أمينة يبتعد شيئًا فشيئًا.
لم يكن يعرف إن كان سيعود إليه مرة أخرى.
ولا يعرف ماذا حدث للرجل الذي أطلق النار.
ولا يعرف إن كانت أمينة ستظل على قيد الحياة.
لكن شيئًا واحدًا كان يعرفه جيدًا…
أن حياته القديمة انتهت.
نظر إلى ليان.
كانت صامتة.
وجهها شاحب، وعيناها غارقتان في التفكير.
قال لها:
“هل أنتِ بخير؟”
نظرت إليه.
“لا أعرف.”
سألها:
“خائفة؟”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
“جداً.”
صمت آدم للحظات.
ثم قال:
“أنا كمان.”
نظرت إليه بدهشة.
ربما كانت تتوقع منه أن يقول شيئًا يطمئنها.
لكنه لم يفعل.
قال بصدق:
“لكن طول ما إحنا مع بعض… هنحاول نفهم.”
خفضت ليان عينيها.
ثم قالت:
“لماذا أشعر أنني أعرفك منذ زمن؟”
نظر آدم إلى الطريق.
“لأننا ربما التقينا قبل أن نتذكر.”
التفتت إليه.
“هل تؤمن بالقدر؟”
ابتسم.
“كنت لا أؤمن به.”
سألته:
“والآن؟”
نظر إليها.
“الآن بدأت أخاف منه.”
لم تفهم ليان معنى كلماته.
لكن قلبها فهم شيئًا آخر.
شيئًا لم تكن مستعدة للاعتراف به بعد.
مرت السيارة عبر عدة شوارع، حتى خرجت من وسط المدينة.
وبعد حوالي نصف ساعة…
توقفت أمام محطة قطار قديمة.
نظر آدم إلى فارس بدهشة.
“لماذا نحن هنا؟”
أجاب فارس:
“لأن المكان الذي ستذهبان إليه لا يمكن الوصول إليه بالسيارة.”
قالت ليان:
“إلى أين؟”
فتح فارس باب السيارة.
“إلى مدينة اسمها النور.”
نزل آدم.
ثم نزلت ليان.
سأل آدم:
“وما الذي يوجد هناك؟”
نظر فارس إليه.
“البيت الذي عاش فيه والدك آخر أيامه.”
شعر آدم بقلبه يتوقف للحظة.
قال:
“أبي؟”
أومأ فارس.
“هناك ستجد أول إجابة حقيقية.”
ثم أضاف:
“لكن هناك شيء لم أخبركما به.”
نظر آدم وليان إليه.
قال فارس:
“والدك لم يكن وحده في ذلك البيت.”
سألت ليان:
“من كان معه؟”
رفع فارس عينيه نحو محطة القطار.
وفي تلك اللحظة…
ظهر قطار قديم من بعيد، بينما كانت أضواؤه تقترب ببطء.
قال فارس:
“امرأة.”
سأل آدم:
“من هي؟”
نظر فارس إلى ليان.
ثم قال:
“امرأة تحمل نفس القلادة التي تحملها أنتِ.”
اتسعت عينا ليان.
وفي اللحظة نفسها…
أخرج آدم الخاتم من جيبه.
نظر إليه.
ثم نظر إلى ليان.
لأول مرة…
بدأ يفهم أن لقائهما لم يكن صدفة.
لكن قبل أن يسأل فارس عن أي شيء…
رن هاتفه.
كانت رسالة من رقم مجهول.
فتحها آدم.
لم تكن هناك صورة هذه المرة.
فقط جملة واحدة:
“إذا وصلت إلى مدينة النور… لا تبحث عن المرأة.”
رفع آدم عينيه ببطء.
كان القطار قد توقف أمامهم.
وانفتح الباب.
وفي اللحظة التي همّ فيها بالصعود…
سمع صوت امرأة خلفه تقول:
“آدم…”
تجمد في مكانه.
كان الصوت هادئًا…
لكن شيئًا داخله عرفه.
استدار ببطء.
وكانت ليان تنظر إليه.
أما فارس…
فقد شحب وجهه.
لأن الصوت الذي سمعه آدم…
كان صوت المرأة التي ظن الجميع أنها ماتت منذ خمسةٍ وعشرين عامًا.
انتظروا الجزء القادم
![]()
