...
IMG 20260811 WA0099

 

 

بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

استدار آدم ببطء…
وكان أول شيء رآه هو وجه امرأة تقف على بعد خطوات قليلة منه.
كانت ترتدي معطفًا طويلًا بلونٍ داكن، وشعرها الأسود يتدلى فوق كتفيها، بينما كانت عيناها ثابتتين عليه.
لم تتحرك.
ولم يجرؤ آدم على الحركة أيضًا.
كان ينظر إليها وكأنه يحاول أن يربط بين ملامحها وبين شيءٍ عالق في ذاكرته منذ طفولته.
شيءٍ لا يستطيع الإمساك به.
قال بصوتٍ منخفض:
“من أنتِ؟”
لم تجبه.
كانت تنظر إليه فقط.
ثم قالت:
“أنت تشبهه.”
شعر آدم بقشعريرة.
“تشبه من؟”
اقتربت المرأة خطوة.
لكن فارس اندفع بينهما بسرعة.
“لا تقتربي منه.”
توقفت المرأة.
ونظرت إلى فارس.
ابتسمت ابتسامة حزينة.
“ما زلت تخاف عليَّ يا فارس؟”
تجمد فارس.
أما آدم، فظل ينظر إليهما.
قال:
“أنتما تعرفان بعضكما.”
ردت المرأة:
“أكثر مما تتخيل.”
اقترب آدم منها.
لكن فارس أمسك بذراعه.
“آدم، اصعد إلى القطار.”
نظر آدم إليه بغضب.
“لن أتحرك خطوة واحدة قبل أن أعرف من هذه المرأة.”
قال فارس:
“ليس هنا.”
رد آدم:
“كل مرة تقول لي ليس هنا!”
ثم أشار إلى المرأة.
“من هي؟”
بقيت المرأة صامتة.
فقالت ليان فجأة:
“أنا أعرفها.”
التفت الجميع إليها.
نظرت ليان إلى المرأة.
كانت عيناها مثبتتين على القلادة التي ترتديها.
ثم قالت:
“هذه القلادة…”
اقتربت المرأة منها.
“ماذا عنها؟”
أخرجت ليان قلادتها من تحت معطفها.
رفعتها أمام عينيها.
ثم نظرت إلى القلادة الأخرى التي ترتديها المرأة.
كانتا متطابقتين تمامًا.
نفس التصميم…
نفس النقش…
حتى الخدش الصغير الموجود على الجانب كان في المكان نفسه.
همست ليان:
“من أين حصلتِ عليها؟”
قالت المرأة:
“من شخصٍ أحببته.”
سألت ليان:
“من؟”
أجابت المرأة:
“والدك.”
تغير وجه ليان.
تراجعت خطوة.
أما آدم، فقد نظر إلى فارس.
قال:
“والد ليان؟”
هز فارس رأسه.
“نعم.”
سأل آدم:
“لكن لماذا تحمل هذه المرأة قلادة والد ليان؟”
لم يجب فارس.
كانت المرأة تنظر إلى ليان بعينين ممتلئتين بالدموع.
ثم قالت:
“لأن والدك لم يكن الرجل الذي أخبروك عنه.”
ارتجفت ليان.
“ماذا تقصدين؟”
اقتربت منها المرأة.
لكن ليان تراجعت.
“لا تقتربي.”
توقفت المرأة.
قالت:
“أعرف أنك غاضبة.”
ضحكت ليان بسخرية.
“غاضبة؟ أنا لا أعرف حتى من أنتِ.”
قالت المرأة:
“أنا أعرفك.”
ردت ليان:
“كيف؟”
صمتت المرأة.
ثم قالت:
“لأنني حملتك بين ذراعيَّ عندما كنتِ طفلة.”
تجمدت ليان.
شعرت وكأن الكلمات سُحبت من تحت قدميها.
“أنتِ… ماذا؟”
قالت المرأة:
“كنتِ في الثالثة من عمرك عندما حدث كل شيء.”
نظر آدم إليها.
“ما الذي حدث؟”
لكن المرأة لم تجبه.
بل نظرت إليه مباشرة.
وقالت:
“والدك كان يحاول حمايتك أنت أيضًا.”
اتسعت عينا آدم.
“أنا؟”
أومأت.
“أبوك لم يكن عدو والد ليان.”
صمتت للحظة.
ثم قالت:
“كانا صديقين.”
قال آدم:
“لكن أمينة قالت إن عائلتينا كانتا صديقتين.”
أجابتها المرأة:
“أمينة أخبرتك نصف الحقيقة فقط.”
نظر آدم إلى فارس.
ثم إلى ليان.
بدأت الصورة تتضح ببطء…
لكنها كانت أكثر تعقيدًا مما توقع.
قالت المرأة:
“قبل خمسةٍ وعشرين عامًا، كان هناك رجل واحد يخاف منه الجميع.”
سأل آدم:
“من هو؟”
نظرت المرأة إلى القطار.
ثم قالت:
“الرجل الذي كان يريد أن يفرق بين عائلتيكما.”
سألته ليان:
“ولماذا؟”
أجابتها:
“لأن والدك ووالد آدم اكتشفا شيئًا لم يكن يجب أن يعرفاه.”
قال آدم:
“ما هو؟”
قبل أن تجيب…
بدأ صوت صفارة القطار يعلو.
قال فارس بسرعة:
“يجب أن نرحل الآن.”
نظر آدم إليه بغضب.
“لن أذهب.”
قال فارس:
“إذا بقيت هنا، سيموت شخص آخر.”
توقف آدم.
“من؟”
نظر فارس خلفه.
كانت هناك سيارة سوداء تقف بعيدًا عند مدخل المحطة.
ثم سيارة ثانية.
ثم ثالثة.
قال فارس:
“هم.”
نظر آدم إلى ليان.
كانت تنظر إلى السيارات، وقد بدأ الخوف يعود إلى عينيها.
أمسك آدم بيدها.
قال:
“تعالي.”
نظرت إلى يده.
ثم إلى عينيه.
هذه المرة لم تتردد.
أمسكت يده بقوة.
وصعدا إلى القطار.
تبعتهما المرأة.
لكن فارس بقي على الرصيف.
صرخ آدم:
“فارس!”
نظر إليه.
قال فارس:
“اذهبوا.”
“وأنت؟”
ابتسم فارس.
“سأجعلهم يظنون أنكم لم تصعدوا.”
ثم أغلق باب القطار.
تحرك القطار ببطء.
ظل آدم ينظر من النافذة.
رأى فارس واقفًا وحده على الرصيف.
ثم رأى الرجال يقتربون منه.
وبينما ابتعد القطار…
جلست ليان بجوار آدم.
كان الصمت بينهما مختلفًا هذه المرة.
لم يكن صمت الغرباء.
كان صمت شخصين أصبحا فجأة يحملان سرًا واحدًا.
قالت ليان:
“آدم.”
نظر إليها.
“نعم؟”
ترددت.
ثم قالت:
“أنا خائفة.”
اقترب منها قليلًا.
“من ماذا؟”
نظرت إلى يده التي كانت لا تزال تمسك يدها.
“من كل شيء.”
ابتسم بهدوء.
“وأنا كمان.”
رفعت عينيها إليه.
قال:
“لكن فيه حاجة واحدة مش خايف منها.”
سألته:
“إيه؟”
نظر إليها طويلًا.
“إني أكون قابلتك.”
سكتت ليان.
لم تعرف ماذا تقول.
لكن قلبها كان يعرف.
لأول مرة منذ بدأت هذه الليلة…
شعرت بالأمان.
ليس لأن الخطر انتهى…
بل لأن آدم كان بجوارها.
وفجأة…
سمعا صوتًا من المقعد المقابل.
“لو كنتما تظنان أن حبكما سيحميكما…”
رفع آدم وليان عينيهما.
كانت المرأة تجلس أمامهما.
وتنظر إليهما بهدوء.
ثم أكملت:
“فأنتما لا تعرفان شيئًا عن القصة التي تجمعكما.”
تجمد آدم.
أما ليان…
فسحبت يدها ببطء من يد آدم.
قالت المرأة:
“لأن آخر مرة أحب فيها شخصان من عائلتيكما بعضهما…”
توقفت.
ثم قالت:
“انتهى الأمر بمقتل رجل… واختفاء امرأة… وطفلين لم يعرفا الحقيقة حتى اليوم.”
نظر آدم إلى ليان.
ثم قال:
“أي طفلين؟”
خفضت المرأة عينيها.
ثم رفعت نظرها إليهما.
وقالت:
“أنتما.”
انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *