...
IMG 20260811 WA0100

 

بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

ساد الصمت داخل عربة القطار.
كانت كلمات المرأة الأخيرة لا تزال معلقة في الهواء، وكأنها لم تقل جملة عابرة، بل فتحت بابًا ظل مغلقًا طوال خمسةٍ وعشرين عامًا.
أنتما.
ظل آدم ينظر إليها.
ثم إلى ليان.
ثم عاد إليها مرة أخرى.
قال بصوتٍ خافت:
“نحن الطفلان اللذان اختفيا؟”
أومأت المرأة.
“نعم.”
قالت ليان بسرعة:
“لكن هذا مستحيل.”
“لماذا؟”
“لأنني أعرف من أنا.”
نظرت إليها المرأة طويلًا.
“هل أنتِ متأكدة؟”
تجمدت ليان.
أكملت المرأة:
“هل تعرفين من هو والدك الحقيقي؟”
لم تجب.
“هل تعرفين لماذا عشتِ طوال طفولتك بعيدًا عن المدينة؟”
صمتت ليان.
“هل تعرفين لماذا لم تكن لديكِ صورة واحدة لوالدتك؟”
تغير وجهها.
قالت:
“أمي ماتت عندما كنت صغيرة.”
“هذا ما قيل لك.”
رفعت ليان عينيها إليها.
“ماذا تقصدين؟”
قالت المرأة:
“أمك لم تمت.”
شعرت ليان وكأنها لم تعد قادرة على التنفس.
قالت:
“أنتِ تكذبين.”
“أتمنى لو كنت أكذب.”
اقترب آدم منها.
“إذن أين أمها؟”
نظرت المرأة إليه.
“هذا هو السؤال الذي حاول والدك الإجابة عنه قبل أن يموت.”
سأل آدم:
“وما علاقة أمي وأبي بكل هذا؟”
صمتت المرأة.
ثم قالت:
“والداك لم يكونا متزوجين عندما حدثت تلك الليلة.”
تغير وجه آدم.
“ماذا؟”
“كانا شابين.”
ثم نظرت إلى ليان.
“ووالداها كانا أيضًا.”
قالت ليان:
“لكن ما علاقة هذا باختفائنا؟”
تنهدت المرأة.
“في تلك الفترة، كان هناك رجل ثري وقوي اسمه نادر السيوفي.”
تغيرت ملامح فارس في ذاكرة آدم.
“كان يملك شركات كبيرة، ونفوذًا واسعًا، وكان يعرف عائلتيكما.”
قال آدم:
“ماذا كان يريد؟”
أجابته:
“كان يريد شيئًا موجودًا في منزل والدك.”
سأل:
“ما هو؟”
قالت:
“وثيقة.”
“أي وثيقة؟”
نظرت إلى الخاتم في يده.
ثم قالت:
“الوثيقة التي أخفاها والدك داخل شيءٍ لا يخطر على بال أحد.”
نظر آدم إلى خاتمه.
فهمت ليان الأمر في اللحظة نفسها.
قالت:
“الخاتم.”
أومأت المرأة.
“نعم.”
أخرج آدم الخاتم من إصبعه.
ظل ينظر إليه.
قال:
“هذا الخاتم معي منذ ولادتي.”
“لأنه لم يكن مجرد خاتم.”
اقتربت المرأة منه.
“كان المفتاح.”
سأل آدم:
“مفتاح ماذا؟”
قالت:
“لخزنة.”
ثم أضافت:
“خزنة لم يستطع أحد فتحها طوال خمسةٍ وعشرين عامًا.”
قال آدم:
“ولماذا أنا؟”
أجابته:
“لأن والدك جعل فتحها مرتبطًا بك.”
ساد الصمت.
ثم قالت ليان:
“وماذا عن قلادتي؟”
نظرت المرأة إلى القلادة.
“القلادة هي الجزء الآخر.”
قال آدم:
“إذن الخاتم والقلادة…”
أكملت المرأة:
“جزءان من مفتاح واحد.”
نظر آدم إلى ليان.
وللمرة الأولى، شعر أن لقاءهما في ذلك المقهى لم يكن مصادفة.
قالت المرأة:
“والداكما اتفقا على أن يحتفظ كل واحد منهما بجزء من السر.”
سألت ليان:
“ولماذا نحن؟”
“لأنهما كانا يعرفان أن الأطفال لن يكونوا محل شك.”
قال آدم:
“لكن ماذا حدث في تلك الليلة؟”
هنا تغير وجه المرأة.
خفضت عينيها.
وقالت:
“في ليلة اختفائكما… حدثت خيانة.”
سأل آدم:
“من خانهم؟”
رفعت المرأة عينيها إليه.
“شخص قريب جدًا.”
“من؟”
وقبل أن تجيب…
اهتز القطار فجأة.
انطفأت الأنوار للحظة.
ثم عادت.
نظر آدم إلى نهاية العربة.
كان هناك رجل يقف وحده.
يرتدي معطفًا أسود.
وكان ينظر إليهم.
قالت المرأة بصوتٍ خافت:
“لا تتحركوا.”
توقف الرجل عن النظر إليهم.
ثم استدار.
ومشى بعيدًا.
وقف آدم.
“من هذا؟”
أمسكت المرأة بذراعه.
“اجلس.”
“أنتِ تعرفينه.”
لم تجب.
قالت ليان:
“من هو؟”
ظل الصمت.
ثم قالت المرأة:
“هو الشخص الذي كان موجودًا في الليلة التي اختفيتما فيها.”
نظر آدم إليها.
“هل كان هو سبب اختفائنا؟”
أومأت ببطء.
“نعم.”
سأل:
“من هو؟”
نظرت المرأة إلى باب العربة.
ثم قالت:
“اسمه…”
توقفت.
وفجأة…
فتح باب العربة.
دخل الرجل نفسه.
توقف أمامهم.
كانت عيناه ثابتتين على آدم.
ثم قال:
“أخيرًا… التقيت بك.”
وقف آدم.
قال:
“من أنت؟”
ابتسم الرجل.
ثم نظر إلى ليان.
وقال:
“وأنتِ أيضًا… لم تتغير عيناكِ.”
تراجعت ليان.
“هل تعرفني؟”
اقترب الرجل خطوة.
“كنتِ طفلة عندما حملتكِ آخر مرة.”
تجمدت.
أما آدم فصرخ:
“قل لنا من أنت!”
نظر الرجل إليه.
ثم قال بهدوء:
“أنا الرجل الذي أخذكما من بيت والديكما تلك الليلة.”
توقف قلب آدم.
وأمسكت ليان بيد آدم دون أن تشعر.
أما المرأة…
فكانت تحدق في الرجل وكأنها ترى شبحًا من الماضي.
قالت بصوتٍ مرتجف:
“أنت…”
ابتسم الرجل.
ثم قال:
“نعم يا مريم.”
ساد الصمت.
نظر آدم إلى المرأة.
“مريم؟”
لم تجبه.
لكن الرجل قال:
“اسمها الحقيقي ليس أمينة.”
ثم نظر إلى آدم وليان.
وأضاف:
“وإذا أردتما أن تعرفا الحقيقة كاملة…”
توقف.
ثم ابتسم ابتسامة غامضة.
“فعليكما أن تعرفا أولًا… لماذا كذب عليكما أقرب الناس إليكما طوال حياتكما.”
انتظروا الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *