...
IMG 20260807 WA0072

 

بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

توقفت الكلمات في حلق آدم بعد اعتراف الرجل.
لم يعد يسمع شيئًا سوى دقات قلبه.
كان القطار يواصل سيره، والمدينة التي أخبرهم فارس عنها تقترب شيئًا فشيئًا، بينما ظل الرجل جالسًا أمامهم، هادئًا بصورة زادت من توترهم.
قال آدم:
“أنت قلت إنك أخذتنا من بيت والدينا تلك الليلة.”
أومأ الرجل.
“نعم.”
“لماذا؟”
صمت قليلًا.
ثم قال:
“لأنني لو لم أفعل… لكنتما متما الآن.”
نظرت ليان إليه بغضب.
“ومن أعطاك الحق أن تفعل ذلك؟”
نظر إليها بحزن.
“لم يكن لدي وقت لأطلب الإذن.”
قال آدم:
“أين أخذتنا؟”
“إلى مكان آمن.”
“وأين هو؟”
لم يجب.
تدخلت المرأة التي كانت معهم في القطار:
“وصلنا.”
نظر الجميع من النافذة.
كانت مدينة النور تمتد أمامهم بهدوء، بمبانيها القديمة وشوارعها الواسعة وأشجارها الكثيفة.
توقف القطار.
نزل آدم وليان والمرأة والرجل.
وعندما ابتعد القطار عن المحطة، شعر آدم لأول مرة أنه دخل مدينة لا يعرفها، لكنها تعرف عنه أكثر مما يعرف هو عن نفسه.
استقلوا سيارة قديمة، وظلوا يسيرون عدة دقائق حتى وصلوا إلى شارع هادئ بعيد عن وسط المدينة.
توقفت السيارة أمام منزل كبير تحيط به أشجار قديمة.
كان المنزل مغلقًا منذ سنوات، لكن ملامحه كانت تدل على أن أحدًا كان يعتني به حتى وقت قريب.
قالت المرأة:
“هذا هو المكان.”
نظر آدم إلى المنزل.
“بيت أبي؟”
أجاب الرجل:
“نعم.”
دخلوا.
كانت رائحة المكان مختلفة.
رائحة خشب قديم وكتب وذكريات.
على الجدار صورة كبيرة لرجل شاب.
اقترب آدم منها.
لم يكن بحاجة إلى أحد ليخبره من هو.
كان والده.
لكن المفاجأة لم تكن في الصورة.
كانت المرأة التي تقف بجواره.
توقف آدم.
ثم نظر إلى المرأة التي جاءت معهم.
“من هذه؟”
خفضت المرأة عينيها.
أما الرجل فقال:
“أمك.”
تجمد آدم.
اقترب من الصورة.
لم يسبق أن رأى وجه أمه بهذه الوضوح.
كانت بالنسبة إليه مجرد حكايات متقطعة وذكريات غامضة من طفولته.
لكن الصورة كانت تقول شيئًا آخر.
كانت والدته تبتسم.
وبجوارها والده.
وبينهما…
طفلان.
آدم وليان.
قالت ليان:
“لماذا نحن في الصورة؟”
لم يجب أحد.
اقتربت ليان من الصورة.
ثم لاحظت شيئًا.
قالت:
“لحظة…”
أشارت إلى يد والد آدم.
كان يمسك بقطعة ورق صغيرة.
وعليها نفس الرمز الموجود على قلادتها.
قال آدم:
“إذن هذا البيت كان يعرف كل شيء.”
قالت المرأة:
“ليس كل شيء.”
ثم أشارت إلى باب في نهاية الممر.
“الغرفة الموجودة هناك لم يدخلها أحد منذ تلك الليلة.”
ذهب آدم إليها.
كانت مقفلة.
أخرج الخاتم من جيبه.
نظر إلى الباب.
ثم لاحظ فتحة صغيرة بجوار المقبض.
وضع الخاتم فيها.
صدر صوت طقطقة.
وانفتح الباب.
تراجعت ليان.
دخل آدم ببطء.
كانت الغرفة مظلمة.
أضاء المصباح.
وتوقف الجميع.
كانت الجدران مغطاة بالصور.
صور والده.
صور والد ليان.
صور أمه.
وصور أمينة.
لكن المفاجأة كانت في منتصف الجدار.
كانت هناك عشرات الصور لآدم وليان وهما طفلان.
في الحديقة.
في المدرسة.
في المستشفى.
وفي أماكن لم يتذكرا أنهما ذهبا إليها.
قالت ليان بصوت مرتجف:
“كانوا يراقبوننا.”
اقترب آدم من إحدى الصور.
كانت له وهو طفل، يقف بجوار فتاة صغيرة.
كانت ليان.
لكن خلفهما كان يقف رجل مجهول.
قال آدم:
“من هذا؟”
قال الرجل:
“الرجل الذي كان يحميكما.”
التفت آدم إليه.
“أنت؟”
هز رأسه.
“لا.”
وأشار إلى الصورة.
“هو.”
نظر آدم إلى وجه الرجل.
ثم تجمد.
كان الوجه مألوفًا.
ليس لأنه رآه في الماضي…
بل لأنه رآه منذ ساعات فقط.
في محطة القطار.
كان الرجل الذي وقف في نهاية العربة.
قال آدم:
“كان يتبعنا.”
أومأ الرجل.
“لأنه يعرف أنكما وصلتما.”
بدأت ليان تبحث بين الصور.
ثم وجدت صورة مختلفة.
صورة لوالدها ووالد آدم وهما يتشاجران.
وبجانب الصورة تاريخ قديم.
قالت:
“انظر.”
اقترب آدم.
كان هناك شيء مكتوب خلف الصورة.
قرأه:
“في الليلة التي نختلف فيها… سيعرف نادر كل شيء.”
تغير وجه الرجل.
قالت المرأة:
“لقد وجدناها.”
نظر آدم إليها.
“ماذا؟”
أجابت:
“أول دليل حقيقي على أن نادر لم يكن وحده.”
فتح آدم درجًا قديمًا في المكتب.
وجد ملفًا أسود.
فتحه.
كان يحتوي على أوراق كثيرة.
تقارير.
صور.
أسماء.
وتواريخ.
ثم وجد صفحة تحمل اسمه.
آدم.
وتحت اسمه مباشرة:
الحالة: الطفل الأول.
تجمد.
قلب الصفحة.
وجد اسم ليان.
الحالة: الطفل الثاني.
لكن أسفل اسمها كانت هناك عبارة جعلت الدم ينسحب من وجهه:
“يجب ألا يلتقيا قبل بلوغهما السن المحدد.”
نظر آدم إلى المرأة.
“ماذا يعني هذا؟”
لم تجب.
قالت ليان:
“لماذا كان مكتوبًا ألا نلتقي؟”
بقي الصمت.
ثم قلب آدم الصفحة الأخيرة.
كانت هناك جملة واحدة بخط والده:
“إذا اجتمعا قبل أن أعرف الحقيقة… فسيكون أحدهما في خطر.”
رفع آدم رأسه.
وفي اللحظة نفسها…
صدر صوت ارتطام قوي من الطابق العلوي.
تجمد الجميع.
نظر الرجل نحو السلم.
ثم قال:
“لم نكن وحدنا منذ دخلنا.”
أمسك آدم بيد ليان.
صعدوا جميعًا ببطء.
وعندما وصلوا إلى الطابق العلوي…
وجدوا بابًا مفتوحًا.
دخل آدم.
كانت الغرفة فارغة.
إلا من جهاز تسجيل قديم موضوع فوق الطاولة.
اقترب منه.
ضغط زر التشغيل.
صدر صوت متقطع…
ثم جاء صوت والده.
صوت لم يسمعه آدم منذ كان طفلًا.
قال التسجيل:
“إذا كنت تسمع هذه الرسالة يا آدم… فهذا يعني أنك وصلت إلى البيت.”
توقفت أنفاسه.
أكمل الصوت:
“وإذا كانت ليان معك… فلا تثق في المرأة التي أحضرتكما إلى هنا.”
نظر آدم إلى المرأة.
وتغير وجه ليان.
لكن التسجيل لم يتوقف.
قال الأب:
“لأنها ليست منقذتكم كما ستخبركم…”
ثم انقطع الصوت فجأة.
وبعد ثوانٍ…
عاد التسجيل مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
كان صوت والدة آدم.
قالت جملة واحدة فقط:
“يا آدم… إذا سمعت صوتي، فاعرف أنني لم أمت.”
انطفأ الجهاز.
وتحولت عيون الجميع إلى المرأة الواقفة عند الباب.
كانت تبكي.
ثم قالت:
“الآن… حان الوقت لتعرفوا من أنا.”
انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *