بقلم الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ساد الصمت داخل الغرفة.
لم يكن أحد قادرًا على نطق كلمة واحدة بعد سماع رسالة والد آدم.
كانت المرأة تقف أمامهم ودموعها تنهمر في صمت، بينما بقي آدم ينظر إليها بعينين امتلأتا بالأسئلة.
قال أخيرًا:
“من أنتِ؟”
أغلقت عينيها للحظات.
ثم قالت بصوت هادئ:
“اسمي الحقيقي… الدكتورة مريم عزت.”
تبادل آدم وليان النظرات.
أكملت:
“ولستُ أمينة… ولم يكن هذا اسمي يومًا.”
اقتربت ليان منها.
“لماذا أخفيتِ اسمك؟”
تنهدت مريم ببطء.
“لأنني منذ خمسةٍ وعشرين عامًا أصبحت مطاردة.”
سألها آدم:
“ممَّن؟”
قالت:
“من منظمة لا يعرف الناس بوجودها.”
نظر إليها الرجل الذي كان معهما، ثم خفض رأسه وكأنه يعرف ما ستقوله.
جلست مريم على أحد المقاعد الخشبية، ثم نظرت إلى الصور القديمة المعلقة على الجدار.
وقالت:
“قبل سنوات طويلة كنت باحثة متخصصة في علوم وآثار مصر القديمة. لم أكن أبحث عن الذهب ولا عن المقابر، بل كنت أبحث في المخطوطات التي لم يقرأها أحد.”
سأل آدم:
“وماذا وجدتِ؟”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
“وجدت شيئًا كان يجب أن يظل مدفونًا.”
ساد الصمت.
ثم أكملت:
“داخل إحدى الحجرات الأثرية التي لم تُعلن عنها أي جهة، عثرت على بردية فرعونية نادرة جدًا.”
قالت ليان:
“وماذا كان مكتوبًا فيها؟”
أجابت:
“لم تكن مجرد بردية…”
ثم أخرجت من حقيبتها صورة قديمة باهتة.
وضعتها أمامهما.
كانت صورة لصندوق حجري مفتوح.
وبداخله…
الخاتم نفسه.
والقلادة نفسها.
لكن بشكلهما الكامل.
قالت مريم:
“هاتان القطعتان ليستا مجرد حُليّ.”
نظر آدم إلى خاتمه.
وقالت ليان وهي تلمس قلادتها:
“إذن… ما هما؟”
قالت مريم:
“كان المصريون القدماء يطلقون عليهما اسم مفتاح الحارس.”
سأل آدم:
“حارس ماذا؟”
صمتت مريم للحظات.
ثم قالت:
“البردية لم تتحدث عن كنز.”
“إذن؟”
“تحدثت عن معرفة.”
رفع آدم حاجبيه.
“أي معرفة؟”
قالت:
“معرفة قادرة على تغيير مستقبل البشرية إذا وقعت في الأيدي الخطأ.”
تجمد الجميع.
ثم قالت:
“في البداية ظننت أن الأمر مجرد أسطورة.”
وأخرجت عدة أوراق قديمة.
كانت مليئة بالرسومات والرموز.
“لكنني عندما بدأت أفك رموز البردية، اكتشفت أن الخاتم والقلادة لا يعملان منفصلين.”
قال آدم:
“وماذا يحدث إذا اجتمعا؟”
قالت:
“يفتحان الطريق إلى المكان الذي أخفى فيه المصري القديم أعظم أسراره.”
تدخل الرجل فجأة:
“مريم…”
نظرت إليه.
قال:
“احذري.”
هزت رأسها.
ثم أكملت:
“بعد أشهر قليلة من اكتشافي لذلك السر…”
انخفض صوتها.
“…وصلت إليَّ منظمة تُسمى حراس الظل.”
نظر آدم إليها بدهشة.
“منظمة؟”
“نعم.”
“ماذا أرادوا؟”
قالت:
“عرضوا عليَّ ثروة لا يمكن تخيلها.”
“مقابل ماذا؟”
“أن أسلمهم الخاتم والقلادة وكل ما اكتشفته.”
سألت ليان:
“ولو رفضتِ؟”
أغمضت مريم عينيها.
ثم قالت:
“قالوا بالحرف…”
“سنقتلك… ونقتل أبناءك… وكل من يعرفك.”
ساد صمت ثقيل.
قال آدم:
“ماذا فعلتِ؟”
خفضت رأسها.
“وافقت.”
اتسعت عينا ليان.
“وافقتِ؟”
قالت مريم بسرعة:
“وافقت… حتى أكسب الوقت.”
ثم ابتسمت بحزن.
“وفي الليلة نفسها اتصلت بصديقين لم يخذلاني يومًا.”
نظر آدم إليها.
“أبي.”
أومأت.
ثم نظرت إلى ليان.
“ووالدك.”
أكملت:
“اجتمعنا داخل هذا المنزل.”
نظرت حولها.
“تمامًا في هذه الغرفة.”
وأشارت إلى الطاولة القديمة.
“جلسنا حتى الفجر.”
“وقصصت عليهما كل شيء.”
قال آدم:
“ثم ماذا؟”
أجابت:
“قال والدك جملة لن أنساها أبدًا.”
صمتت لحظة.
ثم قالت:
“إذا وصلت هذه القطع إلى الطامعين… فلن يبقى العالم كما نعرفه.”
أكملت:
“فاتفقنا على تقسيم السر.”
“كيف؟”
“أخذ والدك الخاتم.”
“وأخذ والد ليان القلادة.”
“أما البردية الأصلية…”
توقفت.
“…فأحرقناها.”
قال آدم بدهشة:
“أحرقتموها؟”
ابتسمت.
“لا.”
ثم أشارت إلى المكتبة الضخمة.
“أحرقنا النسخة المزيفة.”
تجمد آدم.
“إذن الأصل ما زال موجودًا؟”
أومأت.
“بل ومخبأ في مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه.”
قالت ليان:
“ومن يعرف مكانه؟”
أجابت:
“كان يعرفه ثلاثة فقط.”
“أنتِ… وأبي… ووالدي.”
“نعم.”
تنهدت.
“لكن بعد أسبوع واحد…”
تغيرت ملامحها.
“…اختفى والدك يا آدم.”
نظر آدم إليها.
“وبعده بأيام…”
“…اختفى والد ليان.”
قالت ليان بصوت مرتجف:
“ثم؟”
“ثم بدأت المطاردة.”
“كل واحد منا هرب في اتجاه.”
“وحمل كل أب طفله.”
“لكننا أدركنا أن المنظمة ستصل إلينا جميعًا.”
اقتربت من آدم.
وقالت:
“فكان القرار الأصعب.”
“قررنا أن نفترق.”
“ويأخذ كل أب طفله ويختفي.”
“ويُمنع تمامًا أن تلتقيا.”
قال آدم:
“ولهذا كتب أبي ألا نلتقي.”
أومأت.
“لأنكما لو التقيتما وأنتما صغيران…”
“…لكنتما وقعتما في أيدي المنظمة.”
ساد الصمت.
ثم قالت مريم:
“لكن لم يكن هذا هو السر الأخير.”
نظر إليها الجميع.
أخرجت مفتاحًا نحاسيًا قديمًا من جيبها.
وكان منقوشًا عليه رمز عين حورس.
قالت:
“هذا المفتاح ظل معي خمسةً وعشرين عامًا.”
سأل آدم:
“يفتح ماذا؟”
ابتسمت مريم.
“يفتح المكان الآمن.”
“أي مكان؟”
أجابت:
“المكان الذي أخفى فيه والدك ووالد ليان الحقيقة الكاملة.”
ثم وضعت المفتاح فوق الطاولة.
وأخرجت خريطة جلدية قديمة.
كانت الخريطة مرسومًا عليها نهر النيل.
وفي أقصى الجنوب…
كانت هناك دائرة حمراء تحيط بمكان واحد.
قالت مريم:
“هذا المكان لم يُسجل في أي خريطة حديثة.”
نظر آدم إلى الاسم المكتوب أسفل الدائرة.
وقرأه بصوت مرتجف:
“وادي الحراس.”
قالت مريم:
“هناك… توجد البردية الأصلية.”
“وهناك أيضًا…”
توقفت.
ثم أكملت:
“…ستعرفان لماذا اختار القدر أن يجمعكما من جديد.”
وقبل أن يسألها آدم أي سؤال آخر…
اهتز المنزل بعنف.
وسقطت إحدى النوافذ على الأرض.
ثم انطفأت الكهرباء.
وبعد ثوانٍ…
ظهر شعاع ليزر أحمر يتحرك فوق الجدار.
ثم ثانٍ…
ثم ثالث.
نظر الرجل من النافذة.
وشحب وجهه.
وقال بصوت لم يسمعه أحد منه من قبل:
“لقد وجدونا…”
ثم أضاف وهو ينظر إلى آدم وليان:
“من هذه اللحظة… لم يعد أمامنا سوى طريق واحد.”
“وادي الحراس.”
انتظروا الجزء القادم
![]()
